بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
سبتمبر 2017
الأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبت
     12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930

اليومية اليومية


بحثاً عن الفاعل في هجمات 11سبتمبر...د. أكرم حجازي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

بحثاً عن الفاعل في هجمات 11سبتمبر...د. أكرم حجازي

مُساهمة من طرف القادسية في الخميس ديسمبر 02, 2010 2:35 am

بحثاً عن الفاعل في هجمات 11سبتمبر

حفريات سوسيو – إعلامية في الحدث وتداعياته

مؤسسة الجمهورية للصحافة والنشر، تعز- اليمن
20 /9/
2001
د. أكرم حجازي

... ودون مبرر توجهت الطائرات اليابانية نحو ميناء بيل هاربرالأمريكي فأمعنت به قصفا على غرة فدمرته عن بكرة أبيه متسببة في مقتل حوالي 20 الفاً. هذه الحادثة التي وقعت في خضم الحرب العالمية الثانية أيقظت ، بنظر الاستراتجيين، المارد الأمريكي الذي كان حتى ذلك الحين أبعد ما يكون عن التدخل إلى جانب هذا الطرف أو ذاك من حلفاء الحرب ومنذ ذلك الحين أيضاً عجلت الطائرات اليابانية بإخراج المارد الأمريكي من عزلته وحياده الدوليين ليدخل ساحة العلاقات الدولية وصراعاتها بشكل مؤثر بل وحاسم في معظم الأحايين.

منذ ذلك الوقت ظهر عالم مختلف تماما عن سابقه. فهل كانت هجمات الطائرات اليابانية آنذاك أشد وقعا وإيلاما على الولايات المتحدة الأمريكية من هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001؟ لا ريب أننا إزاء عالم مختلف أشد الاختلاف defferent world وليس عالماً جديداً new world فقط، ذلك أن هجمات الثلاثاء ضربت قلب الولايات المتحدة الأمريكية وليس أطرافها و مست رموز القوه وليس مظاهرها. في ذلك اليوم الذي يصادف الثلاثاء سيكون على الفلاسفة والمؤرخين وعلماء السياسة والاجتماع والنفس وغيرهم من مثقفي المعمورة أن يتوقفوا عنده طويلاً ويتأملوا عميقاً لأنهم حقاً سيجدوا مذاقا خلدونيا في العالم الجديد فـ ( ... اذا تبدلت الأحوال جملة فكأنما تبدل الخلق من أصله وتحول العالم بأسره وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث ....).

لو فتشنا في التاريخ الإنساني الحديث عن خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث لما وجدنا مثالاً أوضح من حادثة الثورة الفرنسية 1789م كعلامة فارقة في التاريخ الإنساني الذي انتقل من نمط فلسفي تقليدي إلى نمط فلسفي علمي مختلف اختلافا حاداً إن لم يكن على النقيض تماماً. هذا الانتقال كان استجابة لسنة التغير والتبدل فالواقع الاجتماعي الاقتصادي الفكري فرض الانتقال إلى واقع أخر يستجيب لمتطلبات واحتياجات البشرية فهل الاختلاف الذي أعقب ثلاثاء نيويورك وواشنطن يأتي في السياق التاريخي الطبيعي للتحول؟ أم أنه يأتي لتكريس قيم الهيمنة والقوه واللاعدالة؟ أية شرعية هذه التي تكرست؟

في أعقاب حرب الخليج الثانية تلقف العالم مقالتين تنفثان روائح العنصرية والشر والحقد. الأولى صدرت في كتاب للمفكر الأمريكي من أصل ياباني فرانسيس فوكوياما بعنوان "نهاية التاريخ ولإنسان الأخير" والكتاب أثار حتى غضب أوربا الغربية إذ يعتقد المؤلف أن الإنسان الأمريكي الرأسمالي بلغ من التقدم ما لم يبلغه كائن أخر بل أن الرأسمالية ونمط الحياة الأمريكية بنظر فوكوياما هي أخر ما يمكن أن يتوصل إليه العقل البشري من تطور وتقدم وأمام هذا الإنسان الأخير ليس على العالم إلا أن يأخذ بهذا النمط.

أما المقالة الثانية فهي للباحث الأمريكي صموئيل هنتنجتون بعنوان "صراع الحضارات" أو في ترجمة أخرى "صدام الحضارات" وفيها يعتقد الباحث بأن لا مفر من الصراع بين الأديان والحضارات بمعنى أن الإنسانية تتجه لا محالة نحو الصدام أكثر مما تتجه نحو التعايش والأمن والسلام.

وعلى رأي الزعيم الليبي معمر القذافي فالعولمة، مثلاً، حتمية تاريخية لا مفر منها وهي في المحصلة ليست سلبية بمعنى التبدل والتغيرغير أن المشكلة تكمن في سعي الولايات المتحدة الأمريكية إلى (أمركتها) أي جعلها ذات طابع أمريكي مهيمن وإلا فلا مناص من استعمال القوه لفرض نمط الحياة الأمريكي والقوة هنا لا شك تشتمل على جميع الأشكال والضغوطات وبهذا السعي سيتوفر للإنسانية فرصة للتغيير والتبدل تتأسس على وتستمد شرعيتها من الهيمنة والقوه وليس من الناموس الكوني.

هذه المقالة تؤمن بأن العالم بات مختلف جداً عن العالم السابق على هجمات 11/9 وتؤمن أيضاً بأن خديعة كبرى تحضرها أمريكا بل إن هناك أشياء في الخفاء تحدث ربما لا تكون لها أية علاقة مباشرة بما يجري على السطح من قصف أفغانستان وأن الجمرة الخبيثة هي إحدى آليات هذه الخديعة، أيضاً هذه المقالة تنزع إلى الحيادية من حيث أنها لا تبرئ أحداً ولا تتهم أحداً ولا تصف آخر ولكنها في التحليل تشدد على طرح عشرات الأسئلة الاستبيانية والتي تجد مبرراتها في مضامين الحدث وتداعياته على مختلف المستويات.

أخيراً فالمقالة تصر على أن هناك فاعل ما زال مجهولاً حتى هذه اللحظة وهذا الفاعل (فرد، منظمة، جماعة، دولة ، مؤسسة ...) قادر على التهديد باستمرار، و أن الانحياز السياسي والأيديولوجي في معالجة أحداث الثلاثاء سيبقيه طليقاً مما يعني أن هناك خطر دائم يهدد أية دوله أو شعب أو رمز إنساني أو حضاري ...الخ في هذا السياق ينبغي أن نضع نصب العين ما تفكر به أمريكا لا ما تقوم به والسؤال الذي يستحوذ على كل النشاط الأمريكي واحد لم يتغير ولن يتغير. باختصار من هو الفاعل أولاً وثانياً وثالثاً؟ وماذا لو كانت إسرائيل وليس بن لادن؟

الحـــــدث

في الحادي عشر من سبتمبر 2001 م وعلى مقربة من صلاة العصر بتوقيت مكة المكرمة قطعت محطات التلفزة والإذاعات الدولية برامجها وأفسحت المجال لصورة الحدث وللكلمة لتنقل وقائع اصطدام طائرة ركاب مدنية أمريكية بأحد برجي التجارة الدولية في مدينة نيويورك الأمريكية. إلى هنا ورغم هول الحدث بدا الخبر عادياً وكأن ما حصل لا يعدو كونه حادثاً مأساوياً كبيراً.

بعد نحو عشرين دقيقة أو أكثر بقليل، وبينما كاميرات المراسلين والصحفيين أمام أعين مئات الملايين المتمسمرين أمام شاشات التلفزيون تراقب البرج المحترق، إذا بطائرة ثانية تصطدم ببرج التجارة العالمي التوأم من جهة وتخرج من الجهة الثانية مخلفة وراءها كتلة نارية هائلة ومنظرا يهز الأعماق.

وبالكاد استعاد المشاهد القدرة على متابعة الحدث المريع وإذا بخبرلا يقل ضراوة عن حريق ضخم اندلع في مبنى وزارة الدفاع الأمريكية الشهير بـ "البنتاغون" تبين بعد لحظات أو دقائق معدودة أنه ناجم عن اصطدام طائرة ثالثة بالمبنى في العاصمة الأمريكية واشنطن.

كان الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن قد أعلن أنه سيعود إلى البيت الأبيض في واشنطن غداة الاصطدام الأول ثم ما لبث ناطق رسمي بعد توالي الاصطدامات في المراكز الحيوية أن أعلن أن الرئيس الأمريكي لن يعود إلى واشنطن، وبعد معلومات تلقتها المخابرات الفيدرالية الأمريكية، نقلاً عن مصادر في سلطات الطيران في المطارات والشركات، تقول أن ثمانية طائرات مدنية أمريكية اختطفت وأن إحداها متوجهة نحو البيت الأبيض. هكذا إذن "أمريكا في حالة حرب" كما يعلن الرئيس. على الفور توالت التصريحات المفزعة معلنة حالة الاستنفار القصوى في الولايات المتحدة الأمريكية وفي دول عديدة من العالم أولها بريطانيا.

أما قائد سلاح الجو الأمريكي فقد أصدر تعميماً أمر فيه بحظر شامل للطيران في شتى أجواء الولايات المتحدة ووجوب إسقاط أية طائره تحلق في المجال الجوي. ولم تمر سوى دقائق حتى أعلنت ولاية بنسلفانيا الأمريكية عن اصطدام طائرتي ركاب مدنيتين على مدرجات المطار الدولي للولاية ومقتل جميع ركابهما تبين فيما بعد أنهما مخطوفتان وأنه تم إسقاطهما بينما كانت إحداهما متوجهة نحو البيت الأبيض فيما تبحث الثانية عن طائرة الرئيس الأمريكي، وفي غضون ذلك تستنفر قوى الدفاع المدني في الولايات المتحدة ودول أخرى في العالم للقيام بعمليات إخلاء واسعة للمباني والمؤسسات الحكومية والأبراج العالية.

هكذا اختلطت المشاعر وتشوش التفكير وفقد المرء وزنه. فأية مشاعر يعبر عنها وسط حالة الذهول والرعب وطائرات الهيلوكبتر تحوم حول البرجين المحترقين ومبنى البنتاغون يحترق ووسط عجز تام لا مثيل له في تاريخ الإنسانية وفي أعظم دولة في التاريخ هيبة ومكانة وقدرات يتهاوى البرجان أمام أعين مئات الملايين في مشهد أبشع من خيال هوليود السينمائي اللا محدود ورعب وهلع غير مسبوقين يضربان الهرم السياسي الأمريكي من أعلى قمته إلى أخمصه ويصيب صميم المجتمع الأمريكي ماديا وفي كرامته.

ففي عقر دار أمريكا التي ما أتسع خيالها يوماً باستراتيجييها ومفكريها وعلمائها وسكانها لاحتمال ضربة من هذا النوع حتى ممن يمتلكون ناصية القوه والكراهة لأمريكا وحتى لو لم يصب البيت الأبيض أو طائرة الرئيس فرموز القوه الأمريكية هي من تعرض للهجوم. الرمز السياسي حطم تحطيماً مثلما حطم الرمز الاقتصادي ومثلما حطم الرمز العسكري فمن يجرؤ؟ وما هي مصلحته؟ أية إهانة هذه التي تلقاها الأمريكيون؟ كيف وبأي مقياس وبأي معيار ولأي هدف تحطم الهيبة التي ما بعدها ولا قبلها هيبة؟ فما الذي يستأهل كل هذا العنف الذي أودى بعشرات الآلاف من القتلى والجرحى ومئات الملايين من المنكوبين في عنفوانهم وكبريائهم؟ من يجرؤ على توجيه إهانة بهذا الحجم وبهذا النوع لرأس الحضارة الغربية؟ من المعني بتدمير الإنسان الأخير؟ هل هو الإنسان الجديد؟ ومن هو؟ أم هو بداية لتأريخ جديد؟ ومختلف؟

في ذات اليوم، وقبل أن يستفيق أحد من الصدمة وقبل أن يطرح أحد سؤال جدي أو تساؤل رصين وقبل أن تتوفر للولايات المتحدة أو أي طرف أخر وقبل أن ينهار البرجين ودون أن يعلن أي طرف مسؤوليته حتى كتابة هذا المقال اعتبرت الولايات المتحدة والمؤسسات الأمنية والإعلامية أسامة بن لادن زعيم ما بات يطلق عليه تنظيم القاعدة في أفغانستان المشبوه الأول، وما لبثت اللهجة أن تصاعدت إلى مستوى الاتهام لا الاشتباه فحسب. وباضطراد أخذت الشكوك والاتهامات تطال أفغانستان كحاضنة للإرهاب إلى أن انفرط العقد ليصيب الحركات والمؤسسات الإسلامية في العالم ثم الدول العربية والإسلامية وصولاً الى الإسلام ذاته المستهدف الحقيقي بدليل أن الجالية العربية الإسلامية في أمريكا بدت وكأنها فاقدة لحق المواطنة وحدها دون غيرها من أمم الأرض في أمريكا؛ فلأنها عربيه ولأنها إسلامية باتت من المستهدفين وممن يوصفوا بالإرهاب بين ليلة وضحاها. ومن جهتها شرعت وسائل الإعلام في شتى أنحاء العالم في حملة تحريض وكراهية ضد الإسلام والمسلمين والجاليات الإسلامية والعربية والشرق أوسطية وبدأت الأجهزه الأمنية من جهتها في البحث عن أدوات بن لادن الذين نفذوا الهجمات فاعتبر إرهابياً:

 كل عربي أو مسلم كان على متن الطائرات المهاجمة.
 كل شخص له علاقة بالمتهمين الضحايا.
 كل من درب أو درس الطيران لأي من الضحايا هو مشبوه.

والطريف في الحملة أنها استندت إلى بغض وكره أمريكي أكثر مما استندت إلى حقائق أمنية والدليل على ذلك أن عدداً لا بأس به ممن اتهموا تبين أنهم في عداد الأموات بل أن بعض الضحايا من الركاب العرب ثبت أنهم على قيد الحياة والأظرف من ذلك أن الحملة تركزت على عرب ذوي جنسيات خليجية لاسيما من السعودية والإمارات بوصفها فرائس سهلة وثمينة بإيماءات محتملة وجشعة لمن سيتحملون المسؤولية والتعويض عن الخسائر.

المهم في الحملة أنها لم تبق ولم تذر لاسيما ضد عرب أمريكا الذين ذاقوا مرارة العنصرية وكأنهم ليسوا من النسيج الاجتماعي التاريخي في أمريكا وكأنهم حضروا بالأمس فقط لتهديد الحرية والديمقراطية الأمريكية. ومن المؤلم لعرب أمريكا حقاً أنهم هم الذين أنجحوا الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية الأخيرة والتي فاز بها جورج بوش الابن بفارق ضئيل جداً من الأصوات على خصمه الديمقراطي آل غور. هذه الإدارة التي حملوها إلى قمة الهرم السياسي هي ذاتها التي أقعدتهم في قاع السلم الاجتماعي الأمريكي ويا لها من مفارقة.

في هذا الجو المملوء بالكراهية والعنصرية أعلنت الولايات المتحدة عن عزمها تشكيل تحالف دولي لشن الحرب على الإرهاب والإرهابين في العالم. إعلان على لسان الرئيس الأمريكي مصحوب بالتهديد والوعيد لمن يستنكف عن تأييد الحملة ودعمها "إما ضد الإرهاب أو معه" صيغة إرهابية صارخة تشرع العدوان والاحتلال وانتهاك حقوق الناس وتتنكر أمام العالم اجمع لحق الشعوب في التحرر من الاستعمار معتبرة ان الطموحات الوطنية لا تبرر الارهاب وانه لا فرق بين إرهابي جيد وإرهابي سيئ، صيغة اقترحت الولايات المتحدة على أوربا تسميتها بـ "الحرب العالمية الثالثة" إلا أنها رفضت خشية أن تؤدي إلى صدام فعلي بين الحضارات لن تكون الولايات المتحدة مسرحه بقدر ما ستكون أوروبا المطلة على بلاد العرب والمسلمين. فنادى الرئيس الأمريكي بحرب صليبية مما أثار زوبعة ورعباً في العالم الإسلامي والعربي حيث غدا الأمر مكشوفاً ثم تراجع الرئيس الأمريكي دبلوماسياً بصيغة زلة لسان مألوفة بالعرف الدبلوماسي بيد أن أثارها لم ولن تمحي من عقول العرب والمسلمين، وأخيراً أطلق على الحملة اسم "العدالة اللامتناهية" أو بترجمة أخرى بـ "العدالة المطلقة" وبالرغم من معارضة المسلمين للتسمية كون العدالة المطلقة بيد الله عز وجل إلا أن الوقت لم يطل حتى حشدت الأساطيل والبوارج الحربية وحاملات الطائرات وبدأ الحديث عن حرب قد تمتد لعشر سنوات تشتمل فضلاً عن الآلة العسكرية برمتها شتى الضغوط الاقتصادية والسياسية والاستخبارية واستعمال حتى "الأساليب القذرة" بما فيها الاغتيالات والحروب الجرثومية والكيميائية.

ما هو الإرهاب؟ ومن هم الإرهابيون؟

إذا تساءلنا عن ماهية الإرهاب وهوية الإرهابي فإن أوضح ما قيل في هذا السياق هو غياب أي تعريف للإرهابي أو الإرهاب من أية جهة كانت سواء دول، منظمات، جماعات، أفراد، فلا وجود لأي تعريف يحظى بإجماع أو حتى يقترب لأن يكون مقبولاً على المستوى العالمي، وبالتالي لما تعلن الولايات المتحدة حربا على الإرهاب فإننا بصدد عدو هلامي غير محدد المعالم أو الخصائص أو المعايير أو الصفات أو المحتوى، وكل ما لدى الولايات المتحدة مجرد حادثة أو حوادث تطالها هي أكثر مما تطال غيرها وتبني عليها سياستها لجر العالم من خلفها في النهاية لمواجهة شبح. لهذا كانت مصر هي الو حيده التي طالبت بوجوب عقد مؤتمر دولي في إطار الأمم المتحدة لتحديد مفهوم الإرهاب وسبل مكافحته ومواجهته بيد أن الرغبة المصرية لما تزال في وادٍ عميق من الأذن الأمريكية وحتى العالمية ولو أنها تحظى بالاحترام والتقدير. ويبقى السؤال مفتوحاً: لماذا تصر الولايات المتحدة على اعتقال المفهوم في دائرة العقل الأمريكي؟

ثمة تفسيرين من حيث البدء:

الأول: إن دعوة أمريكا الى تحديد لمفهوم الإرهاب تعني في الواقع دعوتها إلى تحديد قائمة لا تنتهي من إعادة النظر وهذا مستحيل كون أمريكا تبحث، كما يروج البعض عن انتقام سريع يرد لها هيبتها ويستجيب لطموحات ورغبة المجتمع الأمريكي. والواقع أن السبب الجوهري هو أن إسرائيل، إن قبلت أمريكا بالدعوة، ستكون من بين أعضاء القائمة. لذا فالدعوة محرجة لأمريكا بل خطيرة وربما غير مقبولة أبداً ومن المؤكد أن المصريين يعلمون جيداً نهاية دعوتهم ولهذا ما أن بدأت عملية القصف ضد أفغانستان حتى سارع المصريون الى تجديد دعوتهم لمؤتمر دولي حول الإرهاب بنفس الوقت الذي يتفهمون فيه الرد الأمريكي.

الثاني: إن تضمين مفهوم الإرهاب محتوى شبحيا سيزود الأمركيين بمرونة في توجيه الاتهامات والصواريخ والتهديدات لمن تشاء وفي أي وقت تشاء. لهذا أمكن لأمريكا أن توجه سياستها بوضع 60 دولة كأهداف محتملة لحملتها العسكرية دون أن يحول ذلك بين أميركا وترشيح دول أخرى أو انتزاعها من قوائم الإرهاب وكأن إسرائيل طبقا لهذا المفهوم ستكون مرشحة كهدف وإن على المستوى النظري حتى الآن!

في كلا التفسيرين بدا تحييد إسرائيل وفي كلاهما أيضا ظل الهدف شبحا، وإذا اعتمدنا المفهوم الليبي الذي ورد على لسان الرئيس معمر القذافي بأن الإرهاب لا يعدو كونه فكرة فكما أنه من المستحيل ملاحقة الفكرة فمن المستحيل أيضا القضاء عليها وفي مثل هذه الحالة تصبح الحرب ضد الإرهاب حربا لا متناهية تماما مثلما هو عنوان الحملة الأميركية بـ "العدالة اللامتناهية" وكذا الأمر فيما يتعلق بأدوات الحرب ولنا أن نتصور حالة الرعب في حرب قد تستخدم فيها شتى أنواع الأسلحة الفتاكة بلا نهاية أو رادع، وفقط في حالة كهذه يمكن أن نفهم تصريح الزعيم الكوبي عشية اندلاع الحملة على أفغانستان بأنها ستكون مجزرة بشرية أكثر مما هي حملة لمكافحة الإرهاب. وعلى العكس من ذلك لو تصورنا محتوى أمريكيا محدد المعالم للإرهاب غير الغموض والهلامية لتوجب على الولايات المتحدة أن تحدد الهدف والعدو بحيث تسهل ملاحقته في حرب لها بداية ونهاية وسط إجماع دولي يبرر ما تقوم به أميركا بما انه مستند للقانون الدولي وإلى الشرعية الدولية وليس إلى الهيمنة والقوة وفي هذا السياق أيضا يبدو من المثير أن يعلن الرئيس الليبي عن تأييده لحق الرد الأمريكي دون العودة لأية مؤسسة دولية ودون استشارة أحد وكأنها شريعة غاب فمن يحمي حقوق الدول الصغيرة من غطرسة الدول الكبرى والإرهاب الدولي المنظم؟
ألم تكن ليبيا إحدى ضحاياه؟ الفاضح في الأمر أن معالجة أميركا لمسألة إقامة التحالف الدولي المناهض للإرهاب انه بني صراحة ومن قمة الهرم السياسي على مبدأي الهيمنة والقوة وإلا كيف نفسر موقف الرئيس الأميركي وهو يقف مخاطبا العالم بأسره "إما أن تكونوا معنا أو تكونوا مع الإرهاب"؟

على المستوى القانوني تحول بن لادن وأفغانستان من مشتبه بهم إلى متهمين كما سبقت الإشارة. والواقع أن لا الزعيم الليبي ولا كافة زعماء العالم تسلموا دليلا واحد يشير إلى تورط المتهمين، بل أن كل ما جمع من أدلة لا يرقى إلى مجرد رفع دعوى ضد المتهمين. فإن كانت كل الشرائع الدولية قد بنيت على خصائص التجريد والعمومية أي عدم خضوعها لا لذاتية والأهواء والخصوصية فلا شك أن القاعدة المعيارية الصلبة صحيحة في كل زمان ومكان "المتهم بريء حتى تثبت إدانته" وعلى هذا الأساس نتساءل:
ما مدى شرعية ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان؟ هل هو شيء آخر غير الإرهاب والقهر؟

إذا افترضنا حسن النية فما يجري ضد أفغانستان لا يمت إلى الشرعية الدولية بأية صلة ولا حتى إلى القوانين الدولية والمحلية بما أن دليلا واحدا لم يقدم قط ضد بن لادن. والأسوأ من هذا أن الزعم بإبقاء الأدلة طي الكتمان ليس عملا أو إجراء قانونيا بكل المعايير لأن من طبيعة المحاكمات العادلة العلنية وليس السرية لا سيما إذا كانت تهم العامة من الناس فكيف إذا تعلق الأمر بمصير البشرية؟ ثم لأنه لا وجود ولا سابقة لدليل سري يسمح باتخاذ إجراء علني بضخامة ما حصل وما يجري في أفغانستان. فبأي حق ومعيار تهاجم أعظم دولة شعب من أفقر شعوب الأرض بذريعة دلائل سرية؟ ما الذي يمنع الولايات المتحدة من كشف الأدلة أمام الرأي العام المحلي والدولي؟ وما الذي يمنعها من معاقبة بن لادن وغيره إن كانت تملك فعلا أدلة كافية لإدانته؟ لهذا السبب وغيره فإن ما تقوم به أميركا في أفغانستان هو عمل يرقى إلى مستوى الإرهاب بامتياز إلا إذا قدمت الولايات المتحدة ما يخالف ذلك . أما ما يتعلق بتصريحات بن لادن عشية الهجوم على أفغانستان فهي تدخل في إطار الحرب النفسية على الصعيد الإعلامي ولا ترقى أبدا، كما يزعم البعض أو يرغب، إلى مستوى الاعتراف، فثمة فارق كبير بين الإقرار بالمسئولية الواضحة عما جرى في نيويورك و واشنطن وبين الرضى النفسي عن النتائج وإلا لاعتبر كل من سرته الهجمات مسئولا عنها، هذا فضلا عن تصريحات بن لادن الأخيرة التي نقلتها فضائيات الجزيرة القطرية والتي نفى فيها وجود أي دليل بيد الولايات المتحدة يدين أفغانستان وشعبها المظلومين.

بين الإرهاب والمقاومة: عرب شامتون، عرب مرعوبون وعرب غاضبون وكلهم متهمون

منذ اللحظات الأولى لهجمات الثلاثاء و ورود اسم أسامه بن لادن كمشبوه أول في الهجمات شعر العرب أولا والمسلمون ثانيا بأنهم المتهمون الأول. والحقيقة أن العرب اعتادوا على تلقي الاتهامات منذ زمن، فتوجيه الاتهامات للعرب والمسلمين عامة هي مسألة ذات أصالة تاريخية وليست وليدة ثلاثاء سبتمبر، ذلك أن العرب في واقع الأمر هم ند حضاري للعالم ليس في إطار العروبة كقومية بل في إطار الإسلام كدعوة لذا فسواء كان للعرب ضلع في تفجيرات نيويورك وواشنطن أم لا فهم متهمون بحكم الندية. وهكذا، وفي هذا السياق، سارعت الدول والحكومات العربية خاصة والإسلامية عامة إلى إدانة الهجمات واستنكارها بأعلى الأصوات. لا بل أن الأنظمة السياسية العربية انتابتها حالة من الفزع الشديد بانتظار ما ستتخذه الولايات المتحدة من إجراءات مضادة في إطار الحرب المعلنة على الإرهاب حتى انها عجزت عن عقد قمة عربية لمواجهة لحظة مصيرية من هذا النوع، بل أنها عجزت عن عقد اجتماع على مستوى وزراء الخارجية العرب أو وزراء الإعلام وانبرت مصر وحدها في التعبير عن رغبتها والتحدث باسم العرب داعية إلى عقد قمة دولية لمكافحة الإرهاب في محاولة منها لجمع شتات العرب أو احتواء أي رد سريع وغير محسوب للإدارة الأمريكية. ومن جهتها استنفرت الفضائيات العربية آلتها الإعلامية لتدق إحداها "ناقوس الخطر"ANN" وثانية تحذر من "أمريكا ـ الرد، الحرب" وثالثة تتابع "أولى حروب القرن" وهلم جرا. فما هي أقوال المتهمين؟

أولاً: على مستوى الحكم

خشي النظام السياسي العربي منفردا أو مجتمعا من ردود فعل عشوائية تؤدي بالمحصلة إلى إثارة التؤتر والنزاعات المحلية وبالتالي إثارة الشارع المتحفز أصلا لأية فرصة تمكنه من الانقضاض على مصالح الولايات المتحدة والغرب عموما، بل وعلى رموز التبعية والانحطاط العربي والذي كانت الولايات المتحدة راعيته على مدار عقود من الزمان. هذا من جهة، ومن جهة أخرى ثمة مصالح عربية لا يمكن التنازل عنها حتى لو هدمت واشنطن على رأس من فيها. وأولى هذه المصالح هي قضايا الصراع العربي – الإسرائيلي وجوهره القضية الفلسطينية. ولم يكن المقترح المصري لقمة دولية حول الإرهاب إلا بهدف تجنب الخلط بين المقاومة والإرهاب باعتبار الأولى وسيلة مشروعة للتحرر من الاستعمار تقرها الشرعية الدولية، لذا فإن انضمام العرب إلى تحالف دولي مناهض للإرهاب يترتب عليه واحد من اثنين إما الاعتراف بفروق بين الإرهاب والمقاومة وإما حل القضية الفلسطينية وإجبار إسرائيل على الانسحاب من جميع الأراضي العربية المحتلة ودون ذلك سيكون على الأنظمة السياسية العربية أن تلعب بنار قد تحرقها وتحرق من معها، فالانضمام إلى تحالف دولي مناهض للإرهاب يعني:

العمل ضد المصالح الذاتية حتى لو استثنيت إسرائيل من الانضمام للتحالف.
الاستجابة للمطالب الأمريكية بلا حدود.
اعتبار كل حركة مقاومة ضد إسرائيل والوجود الأجنبي في المنطقة العربية وكل حزب وطني معادي لإسرائيل وكل جمعية خيرية أو إغاثة أو مركز بحث أو شخصية وطنية شكل من أشكال الإرهاب.
الانجرار إلى سياسة تصفية الخصوم والحسابات محليا وإطلاق الفتنة ومبرراتها من عقالها.
توقع انقسامات اجتماعية ودينية وطائفية وعرقية.
تدخل سافر في الدولة والمجتمع على مختلف المستويات مما يعني أن السيادة والأمن باتا في مهب الريح.
توقع رسم جديد للجغرافية السياسية بما يعمق الحالة الفسيفسائية.

ولنا أن نتوقع عشرات الآثار المدمرة فيما لو تنساق الدول العربية إلى مثل هذا التحالف بلا حساب أو شروط، ومع ذلك نجد كل الزعامات العربية عدا العراق قد عبرت عن إدانة صريحة للإرهاب، وهي منساقة بشكل أو بآخر خلف الولايات المتحدة، انسياق مغلفا بالقلق والتوتر والحذر وحتى الرعب من الآتي، انسياقا ما زال يحتفظ بتحفظاته وإن بدت متفاوتة من دولة لأخرى، والمدهش أن بعض الرسميين العرب قبل الأطروحة الأمريكية بلا تحفظ.

ثانياً: على مستوى الشارع

عبر الناس عن شماتة صريحة لما تعرضت له الولايات المتحدة بيد أن الشماتة كموقف شعبي، وهذا ما يلفت الانتباه، بقدر ما تنطوي على وعي لم تكن موجهة ضد المواطن الأمريكي ولا ضد المجتمع الأمريكي ولا حتى ضد الحكومة الأمريكية، وهذه مسألة منطقية فالحكومات الأمريكية تتعاقب، وفي واقع الأمر فإن الموقف الشعبي كان موجها في الصميم ضد السياسات الأمريكية الظالمة ليس فيما يتعلق بالقضايا العربية عامة والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص بل وضد الغطرسة الأمريكية التي مورست بلا رادع أو مسئولية وطالت حتى دول متقدمة كالصين وقضايا البيئة والرق أخيرا في مؤتمر ديربان لمكافحة العنصرية. فالذاكرة الجماعية للشعوب لا تخلو يوما من سجل أمريكي جديد في انتهاك كرامة وحريات وحقوق الإنسان وسياسة التمييز العنصري ودعم الأنظمة الديكتاتورية واستخدام معايير مزدوجة ومثلثة ومربعة تلائم المصالح الأمريكية وتزيد من كراهية الشعوب لأمريكا. إن أحدا من الشعوب لن يستطع أن يفسر الدعم الأمريكي اللامحدود لإسرائيل ونظام بينوشيه الدموي والقمعي في تشيلي أو للجنرال مانويل نورييغا في بنما الذي كان صنيعة الولايات المتحدة بامتياز ثم انقلبت عليه لمطالبته بتأميم قناة بنما في أعقاب انتهاء العقد الموقع بين بلاده والولايات المتحدة، بيد أنه لم يفلت من العقاب والاتهام بأنه ديكتاتوري والرجل المسئول عن ترويج تجارة المخدرات في الولايات المتحدة، أو من القصف الأمريكي لليبيا بحجة اشتراكها في تفجير ملهى يرتاده العسكريون الأمريكيون في برلين ثم ثبت بطلان الدليل قانونيا أو تحطيم العراق وحصاره دون مبرر وموت أطفاله وتلويث مياهه وقصفه بقنابل محملة باليورانيوم المنضب ... قائمة طويلة لم تخلف في ذاكرة الناس سوى البغض والكره ضد السياسات الأمريكية وغرور القوة. شماتة وإن بدت في الظاهر ضد الولايات المتحدة أحيانا إلا أنها ضد السياسة الأمريكية في العمق. ليست هذه مغالاة فالإسلام يأبى على المسلم أن يشمت بميت لأن الله عز وجل أذل الإنسان في الجوع وقهره بالموت والمسلم كغيره من البشر ليس مخلدا وليس بمنأى عن الموت القاهر.

ثالثا: العرب الغاضبون، عرب المصالح

أطلق البعض على هذه الشريحة تسمية "الحزب العربي الصهيوني" تيمنا بما خلفته اتفاقات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل أو تسمية "الحزب العربي الأمريكي" تيمنا بمخلفات حرب الخليج الثانية. وهؤلاء متواجدون بآرائهم في الصحف والمجلات والإذاعات والفضائيات والمؤتمرات والندوات الدولية. وما يطرحونه لا يخرج عن أمرين:

سعي لوقف كافة أشكال المقاومة المسلحة ضد إسرائيل وقصر الصراع على التفاوض والإعلام بغض النظر عن حقائق الأمور وواقع الحال، أما تاريخهم فينتمي إلى اليسار العربي غالبا لذا نجدهم انتقلوا من النقيض إلى النقيض حتى أنهم تصالحوا مع أعدائهم السابقين مصالحة تلفت الانتباه والحقيقة انه لا غرابة في ذلك بما أنهم يدافعون باستماتة عن التطبيع مع إسرائيل.

بما أن غالبيتهم من اليسار فهم على الأقل علمانيون حتى النخاع إن لم يكونوا ملحدين، لذا ترى همهم أكبر كلما تعلق الأمر بالجماعات الإسلامية أو المنظمات الخيرية ذات الطابع الإسلامي، وقد وفرت لهم أجواء ما بعد أوسلو حتى انتفاضة الأقصى مناخا خصبا للمساس بالدين والتدين فجاهروا بحرب شعواء ضد الحركات الإسلامية عموما والفلسطينية خصوصا، بل أن كتابات بعضهم تعرضت للإسلام كعقيدة وكنمط حياة وطموح في السلطة، وهاهم قد عادوا بعد أن أفرجت عنهم هجمات نيويورك وواشنطن .
أحد هؤلاء يعمل أستاذ في معهد الدفاع الأمريكي بواشنطن كتب مقالا يحمل فيه على العرب عنونه بـ "بن لاكن" وفيه يعيب على العرب موقفهم غير الحاسم من الإرهاب، فهم أدانوا الإرهاب بصيغة "بن لاكن" وبدلا من إدانة صريحة للإرهاب بوصفه إرهاب جاءت الإدانة مشروطة وبدا حالهم يقول: نعم ولكن بشروط. هذه الصيغة من الانتقاد للموقف العربي هي ذات الصيغة التي عبرت عنها مارجريت تاتشر الرئيسة السابقة للحكومة البريطانية الغابرة التي زعمت أن موقف العرب المدين للإرهاب لم يكن كافيا. ومن الواضح أن هذا الرجل وأمثاله لم يفكر بأكثر من مصالحه لأنه لو فكر بمعنى الإدانة وما يترتب عليها لما تحدث عن عرب الـ "بن لا كن". فالولايات المتحدة الأمريكية وعلى لسان رئيسها لم تأخذ في الاعتبار إلا مصالحها ومصالح حامياتها في الفرز المريع الذي قدمه جورج بوش "أما معنا أو مع الإرهاب" بلا أي أمل في خيار ثالث يسمح بإدانة صريحة وبنفس الوقت يحفظ حقوق ومصالح الآخرين. فمن من الدول العربية نجا من الإرهاب على مر عقود الصراع مع إسرائيل ليستنكف عن إدانة الإرهاب أو يقف موقفا محايدا منه؟ وبأي منطق تعتبر إدانة الإرهاب منقوصة إذا قورنت بمطالب حقوقية تساهم في الحد من الإرهاب إن لم يكن اقتلاعه من منطقة خطرة كالشرق الأوسط؟ ثم أليست الإدانة غير المشروطة هي بحد ذاتها شرطا؟ ألا يعني هذا أن أمريكا باتت في صف "بن لاكن"؟

وفي واقع الأمر يمكن للعرب أن يتفاعلوا مع بعض الشروط الأمريكية أو المطالب، وهو ما يحصل حاليا، ولكن الاندفاع خلف الولايات المتحدة في إدانة غير محسوبة العواقب سيترتب عليها اعتقالات وتسليم لأفراد ومحاكمات أمريكية لموطنين آمنين وإغلاق لمؤسسات أو محاربة لأحزاب وحتى لمشاعر وطنية وفتح لحسابات بنكية ومصرفية ولسجلات استخبارية وطنية وتنصت ورصد واغتيالات وتجنيد لعملاء و لاشك أن القائمة ستطول والأخطر من ذلك أن مفهوم الإرهاب غير محدد إلا في العقلية الأمريكية، ألا يعني هذا أن السيادة الوطنية باتت في مهب الريح؟ وأن المجتمع بات مغزوا في أعماقه؟ وأننا فعلا أمام حرب من نوع جديد كما يصرح الأمريكيون بالضبط؟ ألا يعني هذا أن كل فرد أو جماعة أو مؤسسة سيكون طبقا لمعيار أمريكي ما هو إرهابي أو مشروع إرهابي؟

ربما لو لم يكن ثمة قضايا عربية عالقة منذ زمن بفعل طول اليد الأمريكية لما وجد العرب غضاضة في انضمامهم للحملة الأمريكية. ولكن ليعذرنا المستر "بن لاكن" فما بين أمريكا والعرب هو أزمة ثقة متأصلة وليست شروطا عابرة ولا ضير لو تأكد من ذلك بفحص علاقته بالأمريكيين بعد الثلاثاء المشهور.

الجمرة الخبيثة وبراءة بن لادن

تسمى هذه الجرثومة باللغة الانجليزية بالـ Anthrax وهى موجودة في الطبيعة لاسيما في المناطق الحرجية والمراعي والحقول حتى ان الرعاة يعرفونها وفي صيغتها الطبيعية تصيب الحيوانات بالعدوى بيد أنها ليست جرثومة وبائية إذ لا تنتقل إلى الإنسان بالعدوى وبالتالي لا تشكل خطرا على الإنسان اللهم إلا إذا تناولها الإنسان من خلال اللحوم وهو أمر نادر وابرز سماتها أنها لا تختفي تحت اية ظروف جوية. ويمكن تحضيرها ميكروبيا في المختبر المتخصص على نوعين احدهما يصيب الجلد وهو اقل خطر على الإنسان إذا ما عولجت بمضادات حيوية خاصة، غير أن النوع الآخر الذي يقع استنشاقه في الهواء يمثل خطرا قاتلا في ظرف 48 ساعة لأنه يستقر في الرئة. وحاليا ًتوجد نحو 45 دولة تحتفظ بمكيروب الجمرة الخبيثة. إلا أن تحضيرها بالغ التعقيد، فعلى مستوى الخبراء لا يمكن تحضيرها إلا من قبل طالب دكتوراه على الأقل في العلوم الجرثومية بشرط أن يتوفر له مختبر على درجة عالية جداً من التجهيزات المعملية.
بعيد هجمات الثلاثاء بأيام أو بضعة أسابيع ظهرت أولى الإصابات بالميكروب القاتل ليصيب اثنين من الصحفيين في إحدى اكبر المؤسسات الإعلامية الأمريكية ودون سابق إنذار ضخمت المسألة على نحو غير مسبوق لتصب حمم الرعب والهلع على رؤوس الأمريكيين حتى غدا الأمر وكأنه حرب بيولوجية تتعرض لها الولايات المتحدة. هذه الحرب أداتها رسالة بريدية أو طرود تحمل مسحوقاً ابيضا يصيب الفرد إما باللمس وإما بالاستنشاق ولعل المفارقة العجيبة في هذه المسألة، وفي واقع الأمر ثمة اكثر من مفارقة، ان الهلع أصاب المجتمع الأمريكي في حين أن الرسائل وجهت في الغالب إلى المراكز الحيوية الأمريكية كمبنى الكونغرس والبنتاغون والمخابرات المركزية فضلاً عن كبار الزعماء والشخصيات الأمريكية والمؤسسات الكبرى وبما أن البريد هو وسيلة النقل وحتى لا تبدو ثمة مفارقات انهالت البرقيات الإعلامية من كل صوب وحدب في المعمورة ناقلة لنا اخبار العثور على رسائل تحتوي مسحوقا ابيضا وجدت في بعض السفارات ومكاتب المستشار الألماني غيرهارد شرودر والحكومة البريطانية وصولا إلى صحيفة معاريف الإسرائيلية ثم مكاتب الحكومة الإسرائيلية إلى اخر القائمة.

السؤال: من الفاعل؟ وهل تتعرض الولايات المتحدة لحرب جرثومية؟ ولماذا تضخم المسألة؟ بل لماذا ظهرت مثل هذه القضية الآن؟

منذ اللحظة الأولى لثلاثاء نيويورك وواشنطن كان المتهم واضحا بلا مقدمات تبعه العرب والمسلمون. ومنذ اللحظة الأولى لظهور الميكروب في الولايات المتحدة أولا ثم أوروبا الغربية ثانيا، وهذه مفارقة ثانية بقي المتهم للان مجهولاً. في الحادثة الأولى كان بن لادن متهماً وفي الحادثة الثانية بات بن لادن بريئا وليس له علاقة لا هو ولا تنظيم القاعدة بالميكروب لا من قريب ولا من بعيد وكأن لسان حال الولايات المتحدة يقول أن الأجهزة الأمنية نجحت في كشف المتهم في حوادث الثلاثاء بينما في مسالة الميكروب نجحت في تبرئة بن لادن، فمن الذي يطلق الاتهامات؟ ومن الذي يحدد الأهداف والأعداء وعلى أية أسس ومعايير؟ بل من هو المسئول عن إدارة هذه المفارقات؟ ومن هو المستهدف حقيقة؟ ولماذا الغموض؟ لا احد يعرف ولماذا تعقب الجمرة الخبيثة حادثة الثلاثاء دون أن يكون لها علاقة بالإرهاب؟ لا احد يعرف. أما التصريحات الأمريكية فطريفة ومثيرة للغاية والتفاعل الأوروبي والإسرائيلي والحليف معها غريبا، أما الموقف العربي فهو محير بل ميت. والسؤال حول من يعلم ومن لا يعلم ليس معروفاً له جواب ولماذا تصر الولايات المتحدة على عدم وجود أية علاقة لانتشار الميكروب بأحداث الثلاثاء مسالة مثيرة غاية الإثارة ولماذا تصر على عدم وجود أية أدلة تدين بن لادن وتنفي بشدة أية علاقة له ولتنظيمه مسألة تبعث على الدهشة في حين أنه في الحادثتين لا مفر من وجود فاعل. فمن هو؟ هل عجزت الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين في أقصى حالات استنفارهم التاريخية عن مراقبة مؤسسات البريد الناقل الوحيد للرسائل الملغمة بالميكروب؟

زعمت إسرائيل أنها تسلمت رسالة تحتوى على مسحوق الجمرة الخبيثة وقد كتب على الوجه الآخر للمغلف البريدي "مع تحياتنا من أفغانستان". أما البريد الذي تسلم الرسالة ونقلها فليس معروفا، هذا في الوقت الذي تنفي فيه الولايات المتحدة أية علاقة لأسامة بن لادن بالقضية، وفي البرازيل أوقفت سلطات الأمن رحلة جوية متجهة نحو مدينة برلين الألمانية لان الطائرة تحمل حقيبة سوداء تبين أنها تحتوي على مسحوق ميكروبي غير أن السلطات الأمنية لم تقل لنا من هو صاحب الحقيبة الذي ربما سافر على متن الطائرة ذاتها أو غيرها في وقت لاحق طالما أن هويته لم تكشف، أما المؤسسات ومكاتب الزعماء فبدت خالية من أية مراقبة أو كاميرات تصوير أو حراسات أمنية أو استنفار من أي نوع كان وإذا ما تابعنا بقليل من الاهتمام والتركيز أخبار الجمرة الخبيثة سنكتشف أننا إما إزاء شبح جديد من الإرهاب وإما إزاء خبث سياسي وإعلامي هدفه شن حرب نفسية لا اكثر، ولكن ضد من؟

فماذا يعني التصريح الشهير للرئيس الأمريكي بـ "أن الوضع تحت السيطرة"؟ ولماذا انفجر الرئيس الكوبي فيدل كاسترو وخرج عن صمته مدينا بصيغة استنكارية حملة الرعب في الولايات المتحدة ومشيرا بالتحديد إلى أن نزلة برد اخطر على الإنسان من ميكروب الجمرة الخبيثة، وأخيرا يصرح مسئول أمريكي بعد مضي نحو ثلاثة أسابيع على انتشار الوباء غير المعدي وبوضوح لا لبس فيه يرجح ان يكون الميكروب من صنع متطرفين أمريكيين في قلب الولايات المتحدة. هكذا إذن الفاعلون أمريكيون وليسوا عربا ولا مسلمون ولا أفارقة ولا آسيويون. هل يشتم من التصريح انسحابا أمريكيا من ورطة ليست على البال ولا الخاطر؟ هل قصة الوباء مؤامرة؟ ام حقيقة ؟ من الواضح ان تصريح الرئيس الأمريكي بان الوضع تحت السيطرة استهدف هلع المجتمع الأمريكي.

في حرب الخليج الثانية جرى تضخيم قوة العراق ليصل الى مرتبة أقوى رابع جيش في العالم، بلع الناس الطعم وتناسوا من هي القوى الكبرى وخيل إليهم أن العراق يأتي رابع قوة بعد الجيوش الأمريكية والروسية والبريطانية، فهو يأتي قبل الجيش الفرنسي ولعل الناس يتذكرون الآن تصريح إسحاق رابين وزير الدفاع الإسرائيلي حين عاب على فرنسا دعم العراق في حربه ضد إيران حتى خلقت منه قوة تفوق فرنسا ذاتها. خدع الناس بقوة العراق ولم يسأل أحد من العامة نفسه لماذا لم يهزم العراق إيران طوال ثماني سنوات من الحرب؟ ولماذا رفض الإيرانيون وقف الحرب في الفترة ما بين 1982 – 1988؟
لا شك أن الولايات المتحدة تدرك أن الخديعة ليست سهلة، ونحن ندرك أن شيئا ما يدبر في الخفاء ونتساءل: هل من المعقول أن تعكف الولايات المتحدة على صياغة خديعة تصيب شعبها بالهلع؟ ربما لا يصل الأمر إلى هذا الحد ولكنه قد يصل.

الأمر الحاسم فيما يجري حتى اللحظة هو الإجابة على السؤال من الفاعل؟ من الفاعل؟ حتى لو احتاجت الولايات المتحدة إلى كبش فداء بل إلى أكباش فداء يظل السؤال ذاته مطروحاً: من الفاعل؟ لأنه إذا لم تقع معرفة الفاعل فلعل تحطيم أفغانستان على رأس من فيها لن يمنع من وقوع كارثة أخرى بما أن الفاعل طليق ويراقب ولعله يعمل أو أنه عازم على مزيد من العمل ولا شك أن الولايات المتحدة ليست من الغباء بحيث تنساق إلى العواطف أو استرضاء رغبات الرأي العام فثمة كارثة لا مثيل لها وثمة رعب غير مسبوق وثمة تهديد مصيري للولايات المتحدة ما زال يجثم على الصدور وثمة حرب معلنة قد تستمر عشر سنوات أو أكثر وربما لفترة طويلة جدا، حرب من نوع جديد لعدو من نوع جديد فهل على الولايات المتحدة ان تلعب بالنار في محاربة أشباح يتربصون بها؟ لماذا ضخم العالم العربي والإسلامي ككبش فداء؟ هل للتغطية على فاعلين آخرين ربما يكونوا محليين؟ هل تسعى الولايات المتحدة إلى إصابة عصفورين بحجر؟ مثلاً ضرب القوى الإسلامية من جهة باعتبار الفرصة سانحة وضرب القوى الإرهابية الداخلية؟ إذا كان الفاعلون في ميكروب الجمرة الخبيثة من الداخل فما الذي يمنع أن يكونوا هم ذاتهم فعلة حوادث الثلاثاء؟ ومن هي القوى المرشحة لإيذاء الولايات المتحدة في عقر دارها وضد أعظم رموزها؟

القوى والجماعات المرشحة للاتهام في الولايات المتحدة

من المعروف أن ا لمجتمع الأمريكي شديد التطور والتقدم والتنوع والتعقيد وتكاد وسائل الشر وأدواته تطغي على وسائل الخير وأدواته كما أنها وسائل متوفرة بالأيدي، ولأنه مجتمع يميل إلى العنف واستعمال القوة ولأن خيال هوليود برع أيما براعة في بلورة ثقافة العنف الحاد في أمريكا بل إن استوديوهات التصوير تبارت في تقديم أشد الأفلام السينمائية عنفا فليس غريبا أبدا أن تكون حوادث الثلاثاء وما تلاها صناعة محلية تحاكي صناعة هوليود ذاتها فمن هي القوى المحتملة لإشاعة دمار هوليودي على شاكلة برجي التجارة ومبنى البنتاغون وغيره إذا استبعدنا القاعدة افتراضا حتى هذه اللحظة من كتابة هذا النص؟

أولا: شريحة الماديين:
من المعروف ان المجتمع الأمريكي هو مجتمع مادي، سريع، استهلاكي ومغري إلا أنه باهظ التكاليف لدرجة أنه ما من شيء في الولايات المتحدة بلا ثمن كما أنه مجتمع الفرص لذا فالربح والخسارة يمثلان عصب الحياة الأمريكية حيث الكسب متاح بنفس القدر المتاح للخسارة. ومع ذلك فثقافة الكسب والخسارة ليست فقط ثقافة المال بل هي أوسع مما يمكن تصوره بحيث لا مناص من أن تنسحب هذه الثقافة بشقيها الكسب والخسارة على الجسد وإنما على طرق التفكير والأخلاق والقيم والكرامة والشهرة والمجد والمستقبل … الخ. مثلما تنسحب على الترف والفن والرفاهية الاقتصادية والاجتماعية … الخ بل إن قيم الحداثة برمتها تمثل أصدق تعبير عن هذه الثقافة الرأسمالية في أعظم تجلياتها الحضارية كما أن مثل هذه الثقافة تجد تعبيراتها فيما هو مشروع وما هو غير مشروع، ولا شك أن البنية التحتية للمجتمع الأمريكي تعد أضخم بنية مؤهلة لاحتضان وسائل الكسب المشروع بنفس القدر الذي تحتضن فيه وسائل الكسب غير المشروع ولم تكن الجريمة الدولية المنظمة لتجد لها مقرا أفضل من الولايات المتحدة كي تنتعش وتزدهر وهذه مسألة ليست محل خلاف؛ فحسب بعض التخمينات ثمة ما لا يقل عن 35 ألف ضحية سنوياً تذهب بفعل الإرهاب المحلي الذي تمارسه العصابات سعيا للسيطرة على أسواق الجريمة والنفوذ والسلطة ولنا أن نتخيل حجم هذه الشريحة في الولايات المتحدة والمتصلة بشتى المنظمات والعصابات الإرهابية في العالم وما لهذه من نفوذ واختراقات داخل أعمق النظم الأمنية والسياسية والعسكرية. وفي دولة شديدة التقدم ليس غريبا على جماعات الإرهاب الدولي أن تستعمل اعتي وسائل ونظم التكنولوجيا والجاسوسية في العالم. وفي سبيل الكسب ليست هذه الشريحة بمنأى عن ارتكاب أفظع الجرائم بلا أي رادع.

ثانيا: شريحة الملحدين
هي التوأم الشقيق لشريحة الماديين ومع ذلك فهي أشد خطرا منها فإذا كانت شريحة الماديين تتوفر على بعض القيم والمعتقدات والرؤى لحاضر جرائمها ومستقبلها والتي قد تمارس نوعا من الضبط والحد من جنوحها الإرهابي فإن شريحة الملحدين على العكس من ذلك ليس عندها ما يردعها لا دين ولا قيم ولا مواقف فهي لا تحوز أية معتقدات روحانية، وقيمة الحياة عندها تكمن في اللحظة الراهنة التي تعيشها وبالتالي فما الذي يمكن أن تخسره من ماض لا يهمها أو من مستقبل لا تؤمن به؟ لذا فهي مرشحة للقيام بأي عمل للحصول على مبتغاها. والملفت للانتباه أن الإلحاد في الدول الرأسمالية ظاهرة شائعة بيد أن الخطر من الإلحاد الرأسمالي أنه لا يستند إلى أي تصور أو أيديولوجيا سوى انه انعكاس حاد للطابع المادي الحاد في المجتمع.

ثالثاً: شريحة المؤمنين
هم التوأم غير الشقيق لشريحة الملحدين والعدو لشريحة الماديين وللمجتمع المادي ولكل قيم الحداثة الرأسمالية، ولأنها تعتقد بان المجتمع الأمريكي جرد من كل القيم الاخلاقية والإنسانية والدينية بتركيزه على المادة، لذا تجد نفسها على قارعة الطريق تدفع ثمن الحياة المادية الزائلة والمعقدة والمؤلمة لاسيما تلك الشرائح الفقيرة التي تعاني شظف العيش والمحرومة من احتياجاتها الضرورية، كما أنها شريحة تحتج على نمط الحياة الأمريكية الذي دنس الفرد والمجتمع والدولة والمنغمس في اللذات والرذيلة والموبقات كالزنا والقمار والقتل وربط الفرد بلحظته الراهنة، لذا ينبغي البحث عن وسائل التطهر للتخلص من هذا المجتمع المدنس الظالم والخالي من الرحمة إن لم يكن بالانتحار فبانتظار المسيح المخلص أو بوسائل أخرى لعل تفجيرات نيويورك وواشنطن ليست ببعيدة عنها. كل هذا لتامين مستقبل كريم للأجيال القادمة ولتنقية المجتمع الأمريكي من مظالم الرأسمالية المادية ووحشيتها وإيقاظه من غفلته وإدارة ظهره لروحانيات الحياة.

مثل هذه الشرائح الثلاثة مرشحة لشن هجمات عنيفة جداً بحسابات مختلفة للكسب، ضد رموز المجتمع الأمريكي وأساطين الرأسمال والقوة ولنا أن نتخيل حال الحضارة الغربية والأمريكية على وجه الخصوص من تقدم ومدنية وقوة وحرية وديمقراطية ورفاهية وازدهار وصراع مستميت لتعميم نمط الحياة الأمريكية على شعوب المعمورة من خلال العولمة فيما لو تبين أن متطرف أو مجموعة من متطرفين مجانين أو مخمورين أو ذوي معتقدات صنعتها أمريكا وسياستها هي في الحقيقة من نفذ أو يقف وراء هجمات الثلاثاء وهم من يضطلعون بنشر الميكروب القاتل وهم من يخططون لما هو أسوأ. فأية ثقافة يسعى الأمريكيون إلى ابتلاء العالم بها؟ بل ماذا يكون قد تبقى من قيم الحداثة أو ما بعد الحداثة التي يتطلعون إليها؟
...
....يتبع


عدل سابقا من قبل القادسية في الجمعة ديسمبر 03, 2010 12:49 am عدل 5 مرات

القادسية

المساهمات : 329
تاريخ التسجيل : 07/04/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: بحثاً عن الفاعل في هجمات 11سبتمبر...د. أكرم حجازي

مُساهمة من طرف القادسية في الخميس ديسمبر 02, 2010 3:35 am

...
تكملة
رابعاً: الصهيونية وإسرائيل والمفسدون في الأرض
يشير سيد قطب في كتابه الشهير "معالم في الطريق" إلى أن الفجوة الحضارية بين الغرب والإسلام تصل إلى نحو 300عام، ويقول أننا لا نستطيع اللحاق بالغرب، ولأنه يعترف بالحضارة الغربية وتقدمها وفوائد ذلك التقدم للإنسانية، فهو يأمل من المسلمين أن يسعوا جاهدين لتزويد هذه الحضارة ذات الطابع المادي المحض بما ينقصها كونها بالمحصلة حضارة إنسانية. وما ينقصها هو الروحانيات التي من شأنها عقلنة الحضارة الحالية وتليين ماديتها بحيث تصبح مهيأة لتقبل الدعوة الإسلامية. إن ما يدعو له سيد قطب الذي يعتبره الكثير من الإسلاميين مرجع القرن العشرين بالغ الأهمية خلافاً لما يشاع عن سيد قطب من تطرف وتزمت ورغبة في الانعزال, نراه يقترب من حضارة غربية سعياً منه إلى احتوائها والإفادة منها لا تدميرها, لأن ما وصلت إليه كسب للإنسانية لا ينبغي التفريط به، هذا رد ممن اعتبر متطرفاً على من تطرفوا وجاهروا بعنصريتهم ضد الإسلام والمسلمين مثل مارغريت تاتشر وجورج بوش وبيرلسكوني رئيس الحكومة الإيطالية.

أما العقيدة الإسلامية فثمة أكثر من 14 خصلة تحذر من اليهود, وفي القرآن الكريم لم يذكر قوم على وجه الأرض كما وكيفا مثلما ذكر اليهود سلباً حتى أنهم وصفوا بالمفسدين في الأرض في كامل الكرة الأرضية وليس في الأرض العربية أو الأرض الأمريكية, فهل الصهيونية وإسرائيل تقعان خارج دائرة الاتهام الأمريكية؟

نسى الأمريكيون تماماً وصية رئيسهم الأسبق بنيامين فرانكلين لما حذر الشعب الأمريكي من مخاطر هيمنة اليهود على الحياة السياسية والاقتصادية الأمريكية, ولكنهم الآن ابتداء من الحادي عشر من سبتمبر لن يستطيعوا التغاضي عن الأخبار المتلاحقة حول دور إسرائيلي محتمل في الهجمات, وثمة شواهد كثيرة على ذلك، بل أن أوضح الدلائل والشواهد هي تلك المتعلقة باليهود الأمريكيين وإسرائيل.

ففي خضم الهجمات على برجي التجارة في نيويورك وفي لحظات الاصطدام الأولى لاحظ عملاء المخابرات الأمريكية خمسة يهود صهاينة يصرخون ويرقصون في جو احتفالي على سطح أحد المباني المقابلة للبرجين بينما يصور أحدهم مشاهد الاختلاف وعلى الفور وقع اعتقالهم إلا أن القنصلية الإسرائيلية تدخلت وعملت على إطلاق سراحهم. والغرابة في الأمر أنهم من المفترض أن يكونوا غاضبين وحانقين ومتضامنين مع الدولة والمجتمع الأمريكي اللذين لم يتوانا عن دعم إسرائيل واليهود بلا حدود، بل إلى حد الفضيحة وتحدي العالم اجمع عشرات المرات في المنظمات الدولية لاسيما في مجلس الأمن الذي مل من الفيتو الأمريكي ضد القضايا العربية على امتداد عشرات السنين مسجلاً أزيد من 80 قرار نقض أمريكي لمشاريع قرارات تتعلق بالقضية الفلسطينية.

مسألة أخرى تلفت الانتباه لم تحظ بالاهتمام الإعلامي العربي لا كما يجب ولا بالحد الأدنى. فعقب الحادث في بضعة أيام نشرت بعض الصحف الأمريكية أخبارا تتعلق بالإسرائيليين العاملين في مكاتب برجي التجارة، ومن بين الأخبار التي وقع تناقلها ان نحو 4000 موظف يعملون في المبنيين لم يتوجه أي منهم إلى عمله يوم الثلاثاء الدامي، ونقلت الأخبار أيضاً أنهم تلقوا تعميماً بعدم التوجه إلى العمل. المثير في الأمر أن العطلة اليهودية هي يوم السبت وليس يوم الثلاثاء فلماذا جرى التعتيم على الخبر وتفاصيله؟ ولماذا لم نحصل على تفسير لغياب هؤلاء عن مراكز عملهم في يوم لا هو عطلة رسمية أمريكية ولا هو عطلة يهودية؟ وكيف يتغيب هذا العدد الهائل من الموظفين دون أن يثير الريبة.

في أعقاب حوادث الثلاثاء بقليل شاع بين الناس الرمز Q33NY ومحتواه يقع في البرنامج الطباعي word. والعملية تسير بفتح برنامج الورد وطباعة الرمز أعلاه بالأحرف الكبيرة ثم تظليله بالأسود، ثم فتح قائمة تنسيق وننقر على (خط) ونختار من قائمة الخطوط النوع wing dings مع تجنب النوع الثاني والثالث عندها سيظهر أمامنا الشكل التالي:

ومن الواضح أن الشكل يمكن قراءته بسهولة: طائرات مدنية هاجمت برجي التجارة مخلفة وراءها الموت والتوقيع هو إسرائيل المرموز لها بنجمة داوود السداسية وفي البداية تبادر في أذهان الناس أن هذا الشكل يمثل إدانة بالغة لإسرائيل معتقدين انه ملفا مخفيا. والواقع أن أبسط خبير في برنامج word الورد يدرك أنها عملية مفبركة ويمكن فبركة الكثير منها إلا أن الشعور القوي لدى الناس بان إسرائيل وحدها القادرة على تنفيذ هجمات من هذا النوع هو شعور يمكن تفسيره بأكثر من أمر:

- وعي الناس بعجز الحركات التحررية العربية الإسلامية عن تنفيذ هجمات من هذا النوع الغريب بما في ذلك أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة.

- إدراك الناس لقوة إسرائيل والصهيونية العالمية وللنفوذ الهائل لها في العالم لاسيما في الولايات المتحدة وهو ما تحتاجه عمليات ضخمة من هذا النوع.

- عدم وجود روادع أخلاقية أو دينية أو إنسانية تعيق اليهود والصهاينة عن ارتكاب أبشع الأعمال في سبيل تحقيق مصالحهما الخاصة، ومثل هذا الأمر له شواهد كثيرة في التاريخ القريب وفي هذا السياق وخاصة ما يتعلق بالولايات المتحدة يمكن ذكر خيانة الضابط اليهودي جوناثان بولارد الذي عمل لمدة ثماني سنوات في سلاح البحرية الأمريكية واستولى على وثائق خطرة جداً سلمها لإسرائيل وقد كشف أمره خلال الثمانينات من القرن الماضي وقد بلغت خيانته حداً دفع وزير الدفاع الأمريكي آنذاك كاسبار واينبرغر إلى القول أن أقل ما يستحقه بولارد هو الشنق.

- يدرك الناس أن عمل بهذه الضخامة لن يجرؤ أي طرف منفذ له على التصريح بمسئوليته عنه ومثل هذه الخصيصة بالذات تتمتع بها أجهزة الأمن الإسرائيلية البارعة في إخفاء أي دليل على مسرح الجريمة.

- أخيرا فإن العرب والمسلمين كافحوا على امتداد قرن من الصراع العربي الصهيوني وتحملوا شتى أنواع القهر والتسلط والاضطهاد لسبب واحد هو استرجاع حقوقهم المغتصبة< فبحثوا عن إنصاف أمريكا وأوروبا لهم ولم يهدفوا إلى الوصول إلى حالة الندية مع الولايات المتحدة, فضلا عن أنهم في أعجز حالاتهم التاريخية بعكس إسرائيل والصهيونية اللتان تمثلان ندا عنيداً ليس للحضارة الرأسمالية بل للإنسانية جمعاء, وهم في واقع الأمر ذروة الوحشية الرأسمالية في أوج قوتها وغطرستها.

وثمة أمرين يلفتان الانتباه حقا الأول هو تصريح بن يامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق الذي نشرته صحيفة السفير اللبنانية بمانشيت عريض في خضم المفاوضات مع السلطة الفلسطينية على تطبيق اتفاق واي ريفر والضغوط الأمريكية, مهددا بأنه سيحرق واشنطن إن لم توقف الولايات المتحدة ضغوطها على إسرائيل ولنا, أن نتساءل: هل نفذت إسرائيل تهديداتها بعد أن فضحت انتفاضة الأقصى جرائمها وأوصلت شارون إلى ساحات القضاء الأوروبي؟

أما الأمر الثاني فهو تصريحات المدير السابق للبرنامج النووي الباكستاني, والذي عبر عنها في مقابلة بثتها قناة المنار الفضائية بعد احتجازه من قبل السلطات الباكستانية حيث قال; بأننا في باكستان قمنا بجمع حشد من العلماء والخبراء والأكاديميين والمتخصصين من كل حدب وصوب, وجمعنا شتى ما توفر من صور ومعلومات عن هجمات الثلاثاء, وأخذنا في معاينتها وتحليلها وتقليب الأمر من جميع الأوجه مستعينين بما توفر لنا من معلومات لدى الباكستان, فتوصلنا إلى نتيجة بالإجماع أن مثل هذه الهجمات لا يمكن بأي معيار أن تكون من فعل منظمة أو جماعة, وبالتالي لا بن لادن ولا تنظيم القاعدة بقادران على تنفيذ هجمات من هذا النوع، وعلى الفور تبادر إلى أذهاننا جهاز الموساد الإسرائيلي, وهذا الجهاز له خبرة وسوابق بهذا الشأن.

ولا ريب أن المسئول الباكستاني يتمتع بقدر هائل من المسئوولية ومثل هذا الرجل لن يغامر باتهام صريح للموساد الإسرائيلي دون أن يكون على قدر كبير من الاطلاع. فتحت مسئوليته قادت باكستان طوال عشرين عاما وببراعة ودهاء كبيرين مشروع امتلاك أسلحة نووية على مرأى ومسمع من العالم, وفي ساحة مكشوفة تحرم على أية دولة في العالم صنع القنبلة النووية أو امتلاكها, فكيف بدولة إسلامية معادية لإسرائيل؟
كان على هذا الرجل حمل العبء الضخم في توصيل القنبلة النووية الباكستانية إلى بر الأمان, وعليه فهو مطلع امنيا وسياسيا على خفايا كل المحاولات الإسرائيلية الاستخباراتية والسياسية الهادفة إلى تدمير البرنامج النووي الباكستاني, كما انه مطلع على كل جرائم إسرائيل بغير هذا الشأن فلماذا لا يمتلك القدرة على تقييم القدرات اللوجستية اللازمة لشن هجمات كالتي ضربت نيويورك وواشنطن؟ ولا عجب أن يصر على أن هجمات الثلاثاء لا يمكن أن تحدث أو يخطط لها من خارج الولايات المتحدة الأمريكية. فالمسألة برأيه تحتاج إلى معرفة بالمجتمع الأمريكي عميقة, وإلى اختراق أمني بنيوي كبير جداً في منظومات الاتصال والمعلومات وشتى مواضع البنية التحتية والمعلوماتية ونظم التحكم والمراقبة, أما والحال هكذا فإن المسئول الباكستاني يتساءل: أنّى يمكن لتنظيم بدائي ولرجل معزول في براري جبلية كثيفة كجبال أفغانستان أن يخطط ويشرف على تنفيذ هجمات ضخمة من على بعد كالتي تعرضت لها نيويورك وواشنطن؟ والملفت للانتباه أنه يقول بأن هذه هي قناعة باكستان حتى على مستوى الحكومة التي لم تعترف بوجود أي دليل ضد بن لادن أو أفغانستان, فماذا لو صحت قناعة الباكستانيين ومثلهم كثير بتورط حقيقي لإسرائيل والصهيونية؟ وأية سيناريوهات محتملة سيلجأ إليها الأمريكيون في مواجهة دولة يمكن أن تهدد السلام العالمي لما تمتلكه من أسلحة نووية استراتيجية وأخرى تكتيكية شاءت أقدار السياسة أن تصنعها إسرائيل, ويا للمفارقة في بريطانيا والولايات المتحدة؟

أكثر ما يلفت الانتباه فيما لو تورطت إسرائيل أن هذه الأخيرة ستكون على موعد مع نبوءات الحركات الإسلامية بحتمية زوال الدولة اليهودية في عام 2022م القادم, بيد أن المسألة من الخطورة بمكان بما لا يسمح للولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا العمل على تفكيك دولة إسرائيل لان الرأي العام الأمريكي خصوصا والأوروبي عموما ليس مهيئاً ولا في ذاكرته مواجهة إسرائيل والصهيونية، لذا فالمسألة ستأخذ وقتا لا بأس به, وفي مثل هذا الحال علينا قراءة التصريح الرئاسي الأمريكي فيما يتعلق بعدم معارضته قيام دولة فلسطينية قراءة متأنية كما علينا النظر إلى زيارة توني بلير رئيس الحكومة البريطانية إلى فلسطين والتصريح علنا بأن "إسرائيل باقية أما الدولة الفلسطينية فستقوم لا محالة", علينا النظر اليها بجدية كونها الزيارة الأولى لرئيس حكومة بريطاني لفلسطين منذ وعد بلفور الذي منح اليهود حقا في إنشاء وطن قومي لهم في فلسطين سنة 1917م.

إذن عملية تفكيك دولة إسرائيل عملية بالغة الخطورة غير أن المسألة فرضية ليس إلا. ولكن إذا ما ثبتت مسئولية دولة إسرائيل عن الهجمات أو تورطها بها فإن هذا مما لا يغتفر, كما انه سيكون إيذانا للغرب بما يمكن أن تمثله إسرائيل من خطر على العالم برمته. إن آخر التصريحات الأمريكية المريبة ما فاه به جورج روبنسون (4/10/2001) أمين عام حلف الأطلسي الذي أعلن فيه أن هناك أطرافا أخرى غير بن لادن متورطة في الهجمات مشيرا إلى عدم وجود أي رابط بين بن لادن والعراق, ولا ندري هل أن الولايات المتحدة الأمريكية تحيك سلسلة من الخدائع؟ أم أنها تراجعت عن سياسية أكباش الفداء؟ أم أنها اكتشفت ما يربطها بالمتورطين المحتملين؟
أما الأمر المؤكد فهو أن الجهة المنفذة لهجمات الثلاثاء ستظل تؤرق الولايات المتحدة ما لم تتوصل إلى الفاعلين الحقيقيين. ومع أن الحملة الأمريكية ما زالت مستمرة على أفغانستان فإن 48% أعربوا عن رضاهم عن الأداء الأمريكي في أفغانستان, فيما عبر نحو 43% عن عدم الرضا، والمتابع لأهداف الغارات الجوية يستغرب مما يجري فعلاً, إذ أن معظمها تستهدف المدنين والمناطق المقفرة والجبلية وبنية تحتية خربة, وظلوا على استحياء يستهدفون خطوط الجبهة لتمهيد الطريق أمام تحالف الشمال المعارض لحركة طالبان لعبور بري نحو المدن الرئيسة. ومع علمنا بالتصريحات الأمريكية فإننا نتحفظ على تصريح الرئيس الأمريكي المنادي بالقضاء على بن لادن وتنظيم القاعدة وحركة طالبان وإحضار بن لادن حياً أو ميتاً, لماذا؟
لأن ما يبدوا جلياً حتى الآن أن الولايات المتحدة تشن في الواقع حملة أمنية وليس حملة عسكرية على أفغانستان, أي أنها تسعى إلى اعتقال بن لادن ميتاً وليس حياً، ذلك أن قتله مع كبار المسؤولين معه سيعني خسارة فرصة ذهبية للتثبت من مدى التورط الفعلي لهجمات الثلاثاء وغيرها من الهجمات ممن تنسبها إلى بن لادن, كتفجير مقر السفارتين الأمريكيتين في تنزانيا وكينيا أو البارجة الحربية كول في خليج عدن اليمني. وإذا ما حصل أن هوجمت أهداف أمريكية أخرى فستكون فضيحة يصعب تحملها، فالمرجح أن الجهة التي نفذت هجمات 11/9 هي ذاتها التي نفذت الهجوم على المدمرة الحربية كول بدليل أن التقنية التي استعملت في الحالتين تبدو على درجة رفيعة جدا من التدريب والإعداد والتجهيز اللوجستي. لذا فإن قتل بن لادن دون كشف الفاعلين سيبقي الولايات المتحدة في حلقة مسدودة, وسيعيق من تحقيقاتها وعملياتها الهادفة إلى كشف الفاعلين الذين قد يعاودون الكرة فكل شيء محتمل.


http://www.almoraqeb.net/main/

القادسية

المساهمات : 329
تاريخ التسجيل : 07/04/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى