بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
مارس 2017
الأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبت
   1234
567891011
12131415161718
19202122232425
262728293031 

اليومية اليومية


العراق ما بين البغدادي الأول والبغدادي الثاني...د. أكرم حجازي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

العراق ما بين البغدادي الأول والبغدادي الثاني...د. أكرم حجازي

مُساهمة من طرف القادسية في الأحد أكتوبر 24, 2010 7:43 am


الدورة التاريخية

العراق ما بين البغدادي الأول والبغدادي الثاني
(4)

د. أكرم حجازي
2/8/2010

بحزن شديد، وأسىً بالغ، وبمثل هذه العبارات: «إنا لله وإنا إليه راجعون ... والله لا نقول إلا ما يرضي ربنا»، تلقى التيار الجهاد العالمي وأنصاره (25/4/2010) نبأ مقتل أمير دولة العراق الإسلامية أبو عمر البغدادي ووزير حربه أبو حمزة المهاجر اللذان قضيا فجر الأحد - 18/4/2010 في معركة قيل أن القوات العراقية بدأتها، وحسمها الأمريكيون، على جهل منهم بهوية الهدف، عبر قصف جوي دمر مكان تواجد القائدين في منطقة الثرثار. وبقدر ما كان وداع القائدين مؤلما للتيار الجهادي بقدر ما كانت الفرحة عارمة حين الإعلان عن سلفيهما. وبمثل هذه العبارات أيضا استقبل «الأنصار» خليفة أبي عمر البغدادي في الساعات الأولى من فجر الاثنين (15/5/2010): «بايعنا أمير المؤمنين أبو بكر القريشي الحسيني البغدادي حفظه الله على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله ولا نخرج على حاكمنا المسلم وإنْ أكل مالنا وجلد ظهرنا وإنْ كان عبدا حبشيا وأنْ نقول الحق حيثما كنا حتى الشهادة إن شاء الله تعالى».

لعل أعجب ما أعقب الحدث كان تلك التحليلات التي أدمن أصحابها التخبط بلا كلل أو ملل وهم يطلقون العنان لمخيلتهم في سوْق التنبؤات والتخمينات البائسة، خاصة حين يتعلق الأمر بمقتل أحد القادة في هذه الساحة أو تلك، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء قراءة البيانات والوثائق ذات الصلة بالحدث بالدقة التي تحتاجها، علّهم يصلون إلى أطروحة معقولة يمكن في ضوئها قراءة ما يسمونه مستقبل تنظيم القاعدة. ومع ذلك فاللوم لا يقع على سقم القراءات أو التعليقات على الأحداث فحسب بقدر ما يقع على شخصيات خاوية من التأهيل والمعرفة فيما يجري، لكنها تنتشي بما تقدمه من مزاعم فارغة لا أصل لها من العقل أو المنطق، وتجد من يصدقها ولو في لحظتها. فحين سئل أحد المعلقين عن توقعاته فيمن يخلف البغدادي قال: «أعتقد أنه من المرجح أن يكون أبو الوليد المشهدانيّ»، وزير الهيئات الشّرعية بدَولة العراق الإسلاميّة، الذي أعلن نبأ مقتل «البغدادي» و«المهاجر» في بيانه. إجابة، حقا، تدعو للعجب!!! فهل كان يعرف هذا الرجل من هم المرشحون الآخرون حتى يرجح تعيين أحدهم على الآخر!؟ وهل صدرت بيانات أخرى، في حينه، تحمل أسماء غير بيان وزير الهيئات الشرعية حتى يمكن المقارنة والقراءة والتنبؤ؟!!

على كل حال فالمسألة تحتاج، بجد، إلى وقفة؛ خاصة وأن مرحلة انقضت وأخرى ستظهر، ولو أن ملامحها كانت قيد المراقبة والنظر منذ أكثر من عام مضى. فما الذي يمكن أن نقرأه من مراحل مضت وأخرى قادمة؟ وما هو واقع القيادة في التيارات الجهادية العالمية؟ وما هو واقع دولة العراق الإسلامية في مستوى القيادة وفي مستوى الاستراتيجيات؟

أولا: واقع القيادة وقوة «الدولة»

الغريب في وسائل الإعلام أنها ما زالت تركز على معادلة أمنية، طالما اعتقد بها الأمريكيون وحلفاؤهم وعملوا بها ودافعوا عنها، وهي معادلة ترى بأن قتل قادة القاعدة ورموزهم أو اعتقالهم سيؤدي إلى ضرب التنظيم وتفكيكه، أو على الأقل سيضعف من تأثيره إلى حد التلاشي مع الوقت. وهذا اعتقاد ينظر إلى تيارات الجهاد العالمي كما لو أنها أحزاب راديكالية ذات أيديولوجيات وضعية، وبنى مثيلة للجماعات الإسلامية التقليدية. وبمعنى أدق فالغرب المسكون في البحث الدائم عن النمط الكاريزمي في القيادة، يعتقد أنه نمط كوني من الطبيعي أن يستوطن في القاعدة. ولعل ما يعزز هذا الاعتقاد: (1) شيوع هذا النمط من القيادة لدى الحركات الوطنية والجماعات الإسلامية في العالم الإسلامي على نطاق واسع، و (2) ولأن قراءته لنمط القيادة لدى القاعدة وشقيقاتها تستند إلى أطروحات المناصرين الذين تسيطر عليهم العاطفة وليس إلى الأطروحة العقدية، فضلا عن (3) الجهل في فهم البيئة العقدية الجهادية المنتجة للقائد أو حتى المقاتل.

فالواقع يقول أنه إذا كانت القاعدة هي أطروحة عقدية فمن الطبيعي أن تكون صناعة القيادة فيها أو طرق إعداد القائد هي من ذات المحتوى وليس من خارجه. إذ حين يلتحق الفرد بجماعة جهادية فهو يتحدث عن عبادة «نفير» وليس عن امتياز أو مكانة أو منصب «عضوية تنظيمية»، وفي خضم بيئة جهادية سيكون الأداء مختلفا كليا عن أداء أي عضو في جماعة أو حركة مقاتلة أو جيش. ولن يكون «النافر» منشغلا إلا بالعبادة ابتداء من الصلاة والصوم وقراءة القرآن وقيام الليل والصبر والعزيمة وانتهاء بالتعلم والتدريب والتطوير والرباط والكمائن والاستطلاع والمسير والتصنيع والتخطيط والكر والفر والبحث عن كل وسيلة يعتقد أنها تحقق نصرة للجهاد وأهله، ونصرة الإسلام والمسلمين. ومن اللافت للانتباه أن مثل هذا النمط من الجهاد والاشتغال به لا يتوفر في الجماعات الأخرى ولا في الكليات العسكرية ولا في الجيوش، لأنه ببساطة نمط حياة أخروية لا علاقة له بالحياة الدنيا. لذا ليس غريبا أن يكون كل مقاتل في التيار الجهادي العالمي قائدا بحد ذاته. وليس غريبا أيضا، وهو الأهم، أن ينتج التيار من المقاتلين مَنْ هم أشد بأسا وفتكا من غيرهم، وأن ينتج من القيادات ما يفيض عن حاجته في ظرف سنتين على الأكثر، وأن يُحدث فارقا ملحوظا في أقل من بضع سنين.

وعلى هذا الأساس فلا يمكن للقاعدة أن تشكو في يوم ما من غياب القيادة قتلا أو اعتقالا، مثلما أنها لا تتذمر من كونها قلة مطاردة عالميا. والأمثلة على هذا أكثر من أن تحصى وتعد. فلم تضعف الشيشان بمقتل جوهر دوداييف ولا شامل باساييف ولا أبو الوليد الغامدي ولا خطاب وغيرهم من رموز الجهاد الشيشاني. ولم تضعف القاعدة، كما يروج الأمريكيون في أفغانستان، بمقتل أبي عبيدة البنشيري ولا أبي الليث الليبي ولا أبي حفص المصري ولا أبا خباب ولا باعتقال رمزي بن الشيبة وخالد الشيخ وأبي مصعب السوري وأبي زبيدة وغيرهم، ولو كانت تشكو من نقص في القيادات لكان من الأولى أن تحتفظ بأبي دجانة الخرساني لمراحل قادمة. وفي الصومال لم تضعف حركة الشباب المجاهدين بمقتل آدم حاشي عيرو ورفاقه القادة وسلفه السابق ومن بعدهم صالح النبهان. وفي الجزيرة العربية لم تنْهَرْ القاعدة بعد اغتيال عبد العزيز المقرن وأسر أبي بصير الوحيشي ورفاقه. أما في العراق فحدث ولا حرج ابتداء من أبي أنس الشامي وأبي عمر الكردي والزرقاوي وحامد الجبوري وعبد الهادي العراقي وغيرهم العشرات من القادة الذين اعتقلوا أو قتلوا.

وكما أن هذه التيارات لا تتأثر بمقتل القيادات فإن مقتل هؤلاء لم يثبت أنه خلّف ضعفا ملحوظا في الأداء العسكري أو الأمني بقدر ما ثبت العكس تماما، والأعجب من ذلك أن أيٍّ من تيارات الجهاد لم يثبت قطعا أنه تأثر بتراجع ساحة معينة. فلم تتأثر الساحة العراقية بتراجع الساحة الأفغانية، ولا تراجع الجهاد في أفغانستان بعد الضربة التي تلقتها الساحة العراقية، ولا تأثرت الساحة الشيشانية بتجاهل الإعلام الدولي لها. أما في الصومال فقد نهضت حركة الشباب المجاهدين من بين أنقاض المحاكم كما نهضت حركة طالبان من مذبحة الغزو الوحشي لأفغانستان.

أما مؤشرات القوة في العراق فقد سبقت مقتل أبو عمر البغدادي وعلى لسانه في أكثر من مناسبة. وفي كل مرة كانت لغته والمفردات التي يستعملها في توصيف المشروع الجهادي أقوى من سابقاتها. ففي بدايات الهجوم الشامل على دولة العراق الإسلامية أعلن في خطابه الصوتي: «حصاد السنين بدولة الموحدين 17/4/2007» عن: «تخريج أكبر دفعة في تاريخ العراق لضباط الجهاد في سبيل الله وبدرجة العالمية العليا»، وهو إعلان لم يسبقه إليه أحد، والأهم أن هؤلاء تدربوا طوال العام وفي مختلف الظروف الجوية والتضاريس الطبيعية، ليلا ونهارا. وفي نفس الخطاب كرر عباراته العشر الشهيرة عن مصير الدولة بالقول أنها «باقية».

وحتى مطلع العام 2009 كانت خطة أمن بغداد قد حيدت الأمريكيين عن واجهة الأحداث مع الجماعات الجهادية التي اختُرق الكثير منها سواء على مستوى التنظيم أو بعض القيادات أو العناصر، وتبعا لذلك فقد انخفضت الخسائر البشرية في صفوف الأمريكيين، الذين انزووا بعيدا في معاقلهم، لكنها ارتفعت بصورة كبيرة في صفوف الصحوات وقوات الأمن الحكومية التي خاضت المواجهة بدلا من الأمريكيين. ورغم أن الاختراق طال الحاضنة السنية وأدى إلى تضخم الصحوات على نحو كبير، بفعل الفتاوى المعلبة، إلا أن دولة العراق الإسلامية، مقارنة بالجماعات الأخرى، كانت الأقل تضررا والأكثر فاعلية في ميادين القتال. ومع ذلك فقد بدا المشروع الجهادي في العراق موضع قلق وحيرة وخوف بالنسبة لمناصريه خاصة مع التعتيم الإعلامي الذي رافق فعالياته. ويبدو أن قادة دولة العراق الإسلامية شعروا، حينها، بوجود مخاوف حقيقية على التيار لدى «أهل الصدق». هذه المشاعر دفعت البغدادي في خطاب له بعنوان: «حصاد الخير 11/3/2009» إلى تطمين عموم التيار الجهادي العالمي بالقول: «لا تخافوا ولا تخشوا على الجهاد في العراق وطيبوا نفسا فقد انكسرت حدة الموجة، وإن بنيانا شيد من جماجم الشهداء وعجن ترابه من دماء الفضلاء لبنيان صدق هو أشد من الجبال رسوخا وأعز من النجوم منالا وحاشا الكريم الرحمن الرحيم أن تذهب تضحياتهم سدى ولقد حمل الراية بعدهم أسود على عدوهم أشداء في ما بينهم رحماء والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون».

وبعد مقتل «البغدادي» و «المهاجر» جاء بيان وزارة الهيئات الشرعيّة ليؤكد ما سبق للبغدادي أن أدلى به: «نُطمئن أهل الصّدق من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ... بأن إمارة الدّولة الإسلامية في العراق بإذن الله قد صارت إلى أيدٍ قويّة أمينة، واُحكم بفضل الله أمرها، ولن يؤتى الإسلام بإذن الله من قِبلنا»، وليخبر بأنه قد سبق وأنْ: «تحسّب الشيخان رحمهما الله ومجلس شورى الدّولة لهذا اليوم جيداً، وأعدّوا له عدّته وحسموا من قبلُ أمره». لكن ما لم يتحسبا له؛ يبدو أن «مجلس شورى الدولة» قد انتبه له، فأقرّ تعديلا على البنية القيادية، وقام بتسمية أبي عبد الله الحَسنيّ القُرشيّ نائبا لأبي بكر البغدادي ووزيرا أولا عنده. بينما اقتصر دور «الناصر لدين الله أبي سليمان» على وزارة الحرب دون تسميته كوزير أول كما كان الحال في التشكيلة السابقة. بطبيعة الحال فإن لهذا التشكيل أكثر من معنى سواء من جهة امتصاص أية ضربة «مفاجئة» على المستوى القيادي الأعلى أو توزيع للاختصاصات، وتقاسم للمسؤوليات والأعباء، وتضخم للدور الذي تلعبه «الدولة» حاليا أو مستقبلا، أو لتحقيق فاعلية أكثر في الأداء والإدارة. ومع صدور إعلان مماثل في إمارة القوقاز (24/7/2010) عن تسمية نائب للأمير دوكو عمروف يتضح، إلى حد ما، أن التيار الجهادي العالمي بات على درجة عالية جدا من التنسيق والعمل حتى في تماثل البنى القيادية. بل أن بيان إمارة القوقاز يفسر إلى حد كبير ما خفي في بيان «مجلس شورى الدولة» فيما يتعلق بتعيين نائب للأمير. فقد جاء في البيان أن عمروف: «اتخذ هذا القرار بعد تأملات دقيقة، نظرا لأهمية استمرار السلطة وضرورة الاستعداد لأي تطور للأحداث». وإذا أمعنا النظر أكثر، وأخذنا بعين الاعتبار التزامن العجيب في فعاليات القوة لدى التيار، في مختلف الساحات، فقد يصح لنا أن نذهب في الاعتقاد لما هو أبعد من التنسيق والتساؤل بجدية: هل ثمة قيادة عليا للتيار، خفية عن الأعين والإعلام، ترعى شؤونه الاستراتيجية على مستوى العالم؟ وهل أوصت قادة دولة العراق الإسلامية بالصمت حتى لا يصدر لها أي بيان ولو صوتي بحيث تصبح مهمة القوى الأمنية شبه مستحيلة في التعرف على القادة الجدد؟

في أول حوار له مع مؤسسة «السحاب – 22/9/2008» سئل الشيخ عطية الله، أحد أبرز قيادات القاعدة، عن وضع المشروع الجهادي في العراق فأجاب: «آن للجميع أن يدرك أن الجهاد في العراق شبَّ عن الطوق، وهو كالجبل الشامخ تدور من حوله العواصف والأعاصير، وهو ثابت لا يتزحزح ثم تمضي عنه دون أن تؤثر فيه إن شاء الله». وما قاله الشيخ عطية الله كرره، حرفيا، د. أيمن الظواهري في خطابه «القُدْسُ لنْ تُهوَّدَ – 19/7/2010» قائلا: «في عراق الإسلام والجهاد والخِلافة يَثْبُت المجاهدون وتَثْبُت دولة العراق الإسلامية كالجبل الأشم الذي يتحدى العواصف والزلازل». بل مضى أبعد من ذلك، وهو يخاطب كل المجاهدين في فلسطين، ويتحدث لا فقط عن صحة المشروع الجهادي وسلامته بل عن: «إنّ الجهاد في العراق وعلى رأسه جهاد دولة العراق الإسلامية يمثِّل أملًا حقيقيًّا في تغيير الأوضاع والسعي الجاد لتحرير فلسطين, بشرط السعي لـ «مد الجسور» فيما بين الطرفين، والتحرر مما اعتبره «عُقَد النقص والدونية» والمزاعم والاعتقادات الوطنية كالتكيف مع قيم الحضارة الغربية المعاصرة ... والتحرر الوطني والوحدة الوطنية والدولة القومية العلمانية؛ بدلا من حاكمية الشريعة .. والأخوة الإيمانية, وفريضتي الجهاد وإقامة الخلافة ومفهوم دار الإسلام». وكذلك تهديده الصريح لما بعد الانسحاب الأمريكي لـ «العملاء» بأنهم: «سيواجهوا مصيرهم على يد دولة العراق الإسلامية», و «مبشرا» في الوقت ذاته بأن: «العراق ينتظر أيامًا حاسمة وأحداثًا جسامًا سيُكتب فيها النصر للإسلام ... وسيرتفع فيها علم الجهاد خفّاقًا مُنذِرًا بالزحف القادم نحو بيت المقدس ... ».

لا شك أن تهديدات الظواهري ليست عبثية، ولا يصح المرور عليها مر الكرام خاصة لما يستعمل عبارة «الأمل الحقيقي». فالعبارة تعني أن مشروع الدولة لم يتأثر لا في أوج الهجمة ولا بمقتل قائدين، بل أنه ثبت وتقدم ليصير «أملا» و «حقيقة». والمؤكد أن الظواهري لا يمكن له أن يغامر بهذا التوصيف لـ «الدولة» لو لم يكن لديه ما يدعم قوله نظريا (عبر التواصل معها) وعمليا (عبر فعالياتها الميدانية).

ثانيا: مستقبل دولة العراق الإسلامية

إن المتابع لنشأة التيار الجهادي العالمي في العراق لا بد وأن يتوقف عند مراحل التطور لتوصيفه توصيفا دقيقا كي يمكن النظر في المستقبل. فالمرحلة الأولى التي أسس لها وقادها أبو مصعب الزرقاوي؛ وإن اتسمت بالإدارة التنظيمية والإعداد لإطلاق إمارة إسلامية في الأيام الأخيرة من حياة الزرقاوي إلا أن السمة الغالبة عليها كانت الشراسة العسكرية الصرفة والعجيبة التي استطاعت أن تطحن أعتى القوى العالمية في أقل من بضعة سنين (3 – 4 سنوات فقط). أما د. أيمن الظواهري فقد كان تقييمه صحيحا في حينه لما قال في أحد خطاباته: «إن القاعدة في العراق قصمت ظهر أمريكا». أما المرحلة الثانية فكانت مرحلة أبو عمر البغدادي والمهاجر بلا منازع. وهي مرحلة إعلان «دولة العراق الإسلامية» التي اتسمت بالشراسة الأمنية، وهي زمنيا تساوي تقريبا نفس الفترة الزمنية لسابقتها لكنها أشد بأسا وصعوبة خاصة وهي تواجه طوفانا جارفا من الأعداء من كل حدب وصوب، ممن كان الزرقاوي قد حذر من خطرهم لكنه لم يعش ليخوض نزالاته معهم.

إذن؛ شراسة القاعدة لا يمكن أن يُنظر إليها إلا من زاوية حجم الأعداء ونوعيتهم، ومن زاوية التصميم على القتال، ومن زاوية القدرة على الابتكار، ومن زاوية التكيف مع مختلف الظروف العسكرية والأمنية. وهي بهذا المعنى، وفي الساحة العراقية تحديدا، لم يسبق لأية جماعة جهادية عالمية أن خاضت حروبا مماثلة بقدر ما خاضته القاعدة ومن بعدها دولة العراق. فحجم الأعداء وتنوع طائفيتهم، ومذاهبهم، وتعدد منابت أيديولوجياتهم وعقائدهم، مكّن القاعدة ليس من اكتساب درجة «العالمية العليا» في القتال فحسب بل وأيضا، وهو الأهم، من اكتساب خبرات، في التعامل مع الأعداء والخصوم، لم تتوفر لأية جماعة أخرى في أية ساحة مواجهة منذ نشأ التيار الجهادي العالمي وإلى يومنا هذا.

هذا التوصيف؛ سبق وأن أطلقت عليه بعض التقارير الأمنية صفة «عناد القاعدة في العراق». فهي قادرة على استنباط أساليب في القتال لا تخطر على بال بشر. ولما يكون هذا «العناد» قد تجلى في السنة الأخيرة من حياة البغدادي الأول؛ فكيف ستكون مرحلة البغدادي الثاني خاصة وقد أثبتت القاعدة، قولا وفعلا، أنها أكثر ضراوة وأشد شراسة في القتال ذو الطابع الأمني من قتال القواعد والمعسكرات والمناطق والجبهات؟

في بيان وزارة الهيئات الشرعيّة خاطب المشهداني «ملّة الكفر» بالقول:
أبشروا والله بما يسوؤكم أيّها الجبناء، فلن يدوم فرحكم أيها الأنجاس المناكيد طويلاً، ولئن قدّر الله أن يُقتل الشيخان في هذا الوقت بالذّات، فإنهما تركا جيلاً فريداً تربّى على أعينهما، ودونكم منهم أياماً تشيبُ لها مفارقُ ولدانِكم، ... فقد أخرجت الأرض بركاتها، ... ». ولا شك أن التهديد هنا شمل كافة الأعداء، المصنفين في خانة الكفر سواء كانوا أمريكيين أو محليين، دون تمييز. لكن في بيان وزير الحرب الذي حمل لقب «الناصر لدين الله»، تذكيرا بلقب القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي الذي يحظى عند الرافضة بأكبر قدر من البغض والكره بعد الصحابة، فقد اختص بتهديداته قوى الرافضة حين قال: «أبشروا أيّها الأنجاسُ بليلٍ طويلٍ عبوس وأيّامٍ سود مخضّبةٍ بالدّم، فما ظنّكم بأهل التّوحيد وأحفاد الصّحابة وأبناء أمّهات المؤمنين، فوالذي رفع السّماء بغيرِ عمد، ليس بيننا وبينكم إلا سُنّة الصدّيق وسيفُ خالد ابن الوليد، ليس بيننا وبينكم إلاّ الحسامُ الذي سلّه الزّرقاويُّ والبغداديُّ والمُهاجر، والذي لن يزال بقوّة الله ماضياً فيكم ومُصلتاً على رقابكم، فنحن قدرُ الله فيكم، وما جرى عليكم هذه الأيّام أولُ الغيث، والخبرُ ما ترون لا ما تسمعون، ولا نزيد ... ».

ومن باب أن الحرب خدعة، وأن الوزير وزير حرب، وأنه من الطبيعي أن يمتاز بالحيلة كما هي صفات القاعدة، فإن تصريح وزير الحرب بحد ذاته قد يكون خدعة عسكرية كبرى. ففي حين يبدو التهديد موجها إلى الرافضة فإن الضربة الأقوى قد تكون من نصيب الأمريكيين خاصة وأن الدولة معنية بتبديد الطعون التي استهدفتها خلال المرحلة السابقة والتي كانت تعيب عليها عدم مواجهة الأمريكيين، بالإضافة إلى أنه لا شيء يضمن من أن تكون القاعدة قد حضّرت لمواجهة نوعية مع الأمريكيين لم يحن أوانها بعد.

لكن استراتيجيات القاعدة في العراق تتوجه فعليا نحو استعادة السيطرة على المناطق التي فقدتها خلال مرحلة الصحوات. فهي تهاجم في كافة المحافظات العراقية بلا استثناء، وأهدافها لم تعد محدودة أبدا، حتى وإن ظهرت في الآونة الأخيرة أنها مركزة ضد الصحوات ورؤوسهم. وبدء من سلسلة غزوات الأسير ضربت القاعدة في مستوى الدولة معظم الوزارات والمؤسسات الكبرى، وكذلك السفارات والفنادق الكبرى، والجهاز المالي من بنوك ومصارف فضلا عن ضربها سابقا لوزارة المالية مرتين متتاليتين، وهاجمت، بالعشرات، نقاط السيطرة ومنازل الصحوات وحتى جموعهم في القائم والرضوانية مستخدمة أسلحة من نوع جديد مثل كواتم الصوت، وهاجمت مناطق شاملة كما حدث في الأعظمية والأنبار، واستهدفت رؤوسا سياسية كسلام الزوبعي وبعض الوزراء والبرلمانيين ومشايخ الصحوات، وهاجمت الإيرانيين ومخابراتهم وأعوانهم. وعادت من جديد لنصب العبوات الناسفة على جوانب الطرق في استهداف الأمريكيين، وهاجمت أرتالهم العسكرية وشركاتهم الأمنية، ورصدت تحركاتهم، وقصفت سفارتهم وأوقعت بها قتلى وجرى. وهكذا لا يبدو أن في العراق من شماله إلى جنوبه، خاصة بغداد والأنبار، ما هو خارج دائرة الاستهداف ابتداء من القوات الأمريكية وتوابعها السياسية والأمنية أو الدولة ومؤسساتها الوزارية والمالية، وانتهاء بالقوى المحلية الحليفة لهما.

سؤال بسيط: أين هي الدولة العراقية من هذا النشاط الذي بات يصفه العامة، وليس الخاصة فقط من المتابعين ووسائل الإعلام، بأنه عودة قوية للقاعدة، بل وأقوى من ذي قبل؟ وأين هي القوات الأمريكية مما يجري؟ ولماذا تنجح القاعدة في الوصول إلى أقصى الجنوب العراقي الذي من المفترض أنه أحد حصون الرافضة؟! وهل حقا أن الأمن مرتبط بوجود حكومة فاعلة؟

ترى القوى السياسية أن العملية السياسية الجارية في العراق وتأخر تشكيل الحكومة سيسبب فراغا أمنيا يمكن للقوى الجهادية أن تستغله وتنجح في استعادة السيطرة على ما فقدته سابقا. وقد يكون هذا التفسير نسبيا صحيح لكنه ليس كذلك إلا بأقل درجة من الاحتمال. فالتحول في الوضع العراقي، والتخوف الاجتماعي من الدور الإيراني حتى لدى شيعة الجنوب، بدأ منذ أكثر من عام، وحتى قبل انطلاق سلسلة غزوات الأسير. أي في الوقت الذي كانت فيه حكومة من المفترض أنها تمارس مهامها بما فيها الأمنية. لكن مما لا بد منه؛ القول بأن العراقيين أنفسهم، بمن فيهم سكان الجنوب، اكتشفوا فظاعة الدور الإيراني على حقيقته في تخريب المجتمع العراقي وتفكيك أسره وقيمه، عبر إشاعته لاستهلاك المخدرات والحشيش والفاحشة في أبشع صورها. هذه الفاحشة التي كشفت اللثام عن أعين العراقيين عبر فضيحة مناف الناجي وكيل السيستاني المرجع الشيعي الأعلى في العراق، والتي أعقبها فضائح أخرى، مصحوبة بتكتيم إعلامي غير مسبوق سواء من الإعلام العربي أو الدولي أو حتى اليهودي! وبتهديدات من المراجع الشيعية والحكومية تقضي بطي الموضوع واعتقال كل من يروج للفضائح الجنسية. فلم يعد أحدا من العراقيين يأمن حتى على كرامته وشرفه داخل بيته ممن بدوا رجالا أتقياء؛ فإذا بهم عتاة في الدعارة وتدنيس الحرمات والتشهير بالكرامات. كما أن العراقيين خبِروا الفساد الحكومي المستشري عبر سرقة مئات المليارات من الدولارات وسط انقطاع في الخدمات وانتشار للفقر والأمية واستيطان لمجتمع من قبل مئات العصابات الإجرامية التي تحظى بحماية من أجهزة الأمن والشرطة وقطاع الطرق من السياسيين وركاب القاطرة الأمريكية والإيرانية.

أما على الجانب السني فالغريب أن الإعلام لا يأت على ذكر مواقف الغالبية الساحقة منهم بمن فيهم قادة العشائر إلا عبر المواقف السياسية لمن لجأ منهم إلى القائمة العراقية بقيادة إياد علاوي. وكأنها قائمة تمثل السنة حقا أو حتى جزء منهم. والحقيقة أنها قائمة تمثل ذات الوجوه التي تمزقت ولاءاتها وانتماءاتها وتجمعاتها السياسية فلم تعد تجد من حاضنة لها إلى الحاضنة الشيعية بوجهها العلماني المزيف. وعليه فمن المستحيل مراقبة الاندفاعة الأمنية والعسكرية للقاعدة، في طول العراق وعرضه، خارج عودة ملحوظة للحواضن السنية والعشائرية. حتى أن الصحف الدولية ووكالات الأنباء لم يعد باستطاعتها إخفاء أنباء الهجمات الشاملة والاستعراضات العسكرية لدولة العراق الإسلامية في شوارع الأحياء السنية الكبرى كما حدث مؤخرا في حي الأعظمية. ولو عدنا إلى بيان مجلس شورى دولة العراق الإسلامية لقرأنا فيه كيف «انعقد المجلس مباشرة لحسم مسألة إمارةِ الدّولة» و «ظلّ في حال انعقادٍ مستمرّ طيلة الفترة الماضية للقاء وزراء الدّولة وولاتها وأهل الحلّ والعقد وأصحاب الرأي فيها» إلى أن «اجتمعت الكلمة على بيعةِ الشّيخ المجاهد أبي بكر البغداديّ الحُسينيّ القرشيّ أميراً للمؤمنين». فلو كان الأمر مقتصرا على قادة تنظيم أو جماعة لما احتاج المجلس لاستخدام كلمة «حسم» ولا عبارة «اجتمعت الكلمة»، لأن «الحسم» و «اجتماع الكلمة» لا يقعان إلا في ضوء تبادل وجهات النظر وبالتالي تعدد القوى المشاركة في «الشورى» سواء كانت تنظيمية أو اجتماعية أو شرعية أو سياسية. لكن ماذا عن الدور الأمريكي الذي يبدو كالحاضر الغائب؟

في أكثر الأحايين نسمع تصريحات أمريكية ذات لون واحد تؤكد على أن الهجمات المسلحة لن تؤثر على خطط الانسحاب الأمريكي من العراق. وفي المقابل نستمع إلى تصريحات حكومية تطالب الولايات المتحدة بعدم الانسحاب. والحقيقة أن الأمريكيين، وهم ينظرون إلى هشاشة الوضع الأمني في العراق منذ بدء تطبيق خطة أمن بعداد، إنما يعبرون عن استراتيجية تقضي بابتعادهم عن خوض مواجهات مباشرة والاقتصار على التدخلات الأمنية والدعم اللوجستي حتى ولو بعد خراب مالطا. وهي استراتيجيا استبدلوا فيها ضحاياهم بضحايا محليين، ولن يستطيعوا التنازل عنها. وهم يسعون إلى تطبيقها في اليمن وأفغانستان. أما صحيفة «الواشنطن بوست – 23/1/2009» فقد كشفت عن الحقيقة المرة حين علقت على تفجيرات المقرات الحكومية الخمسة في «غزوة الأسير» الأولى والثانية بالقول: «إن القوات الأمريكية عاجزة عن المشاركة في عمليات قتالية في العراق». هذه هي الحقيقة بلسان الأمريكيين أنفسهم. وهذا يعني أن الشلل الأمريكي لن يحمي الحكومة العراقية ووزاراتها من البطالة، ولن يوفر لها أكثر من حماية معنوية، مثلما أن الانسحاب الأمريكي سيبدو بمثابة الضربة القاضية لها. ولعل تصريح نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن من أن بلاده لن تضمن الأمن في العراق بعد انسحابها منه ينطوي على حقيقة مؤلمة بقدر ما ينطوي على ما أسمته إحدى الصحف العربية بـ «ابتزاز» وتهديد للقوى السياسية العراقية بضرورة تشكيل الحكومة وإلا فالولايات المتحدة قد ترفع يدها عن الملف العراقي وتترك أهله لمصيرهم، وهو ما ألمح إليه د. أيمن الظواهري في خطابه عن القدس.

أخيرا

لعل أطرف ما في الساحة العراقية ملاحظة وجود مجموعات متخصصة من المجاهدين تتقاسم العمل والمهام فيما بينها دون أن تتأثر بأية مواقف سياسية أو عسكرية أو أمنية، حتى في أسبوع الحيرة والشك الواقع ما بين مقتل البغدادي والمهاجر والإعلان عنه. كما لوحظ وجود مجموعات متخصصة في مهاجمة نقاط السيطرة والتفتيش. وأغلب هؤلاء يستخدمون كواتم الصوت. ومجموعات تستهدف الصحوات في بيوتهم وأخرى تستهدف أماكن تجمعهم وغيرها يترصد حركات التنقل وتفخيخ سياراتهم. ومجموعات باتت تهاجم بزخم بشري كبير، يذكّر بهجمات السنوات الأولى من الاحتلال. لكن أبرز ما يمكن ملاحظته هو العمل الأمني المحكم الذي أثبت قدرته في اختراق أعتى الأهداف وأشدها تحصينا. ولما لم يعد ثمة مكان آمن رغم وجود الأمريكيين فهل يعقل أن يكون الأمر أكثر أمانا بغيابهم؟ لننتظر الأيام القادمة ونرى، فلا ريب أن الدورة التاريخية ماضية!


نشر بتاريخ 01-08-2010

http://www.almoraqeb.net/main/articles-action-show-id-239.htm

القادسية

المساهمات : 329
تاريخ التسجيل : 07/04/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى