بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
نوفمبر 2017
الأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبت
   1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930  

اليومية اليومية


دولة العراق الاسلامية - دائرة التوجية الثقافي والسياسي: الفكر القومي العربي بين الليبرالية والاشتراكية والعجز الايدلوجي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

دولة العراق الاسلامية - دائرة التوجية الثقافي والسياسي: الفكر القومي العربي بين الليبرالية والاشتراكية والعجز الايدلوجي

مُساهمة من طرف القادسية في الثلاثاء أكتوبر 19, 2010 7:04 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
دولة العراق الاسلامية
(دائرة التوجية الثقافي والسياسي)

الفكر القومي العربي بين الليبرالية والاشتراكية والعجز الايدلوجي

قال تعالى:
{مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً}

وقال جل وعلى:
{أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ}
صدق الله العظيم
وفي عبارة لاحد الحكماء قال فيها "السائر بلا بصيرة كالسائر بلا اتجاه, كلما ازداد سرعة كلما بعد عن الهدف"!

في هذا المقال نسلط الضؤ على الفشل النظري والفكري للحركة القومية العربية, وما ترتب عليه من فشل نموذج الدولة الوطنية القطرية, وهو ما يحاولون التغطية عليه اليوم بتعبير "المازق الايدلوجي"! لتجنب الاقرار بالفشل, مع العجز الكامل عن تقديم اي افاق لرؤى استراتيجية تعزز وجودوهم او توجه مسارهم!

ونحن لم يراودنا شك في حتمية فشل هذا المشروع والحركة القومية, لهشاشة وعقم الاسس والمنطلقات الفكرية التي بني عليها, ما لم يستدرك مفكريها ويعيدوا هيكلتها وتصحيح مسارها في سياق الايدلوجية والعقيدة الاسلامية, الامر الذي للاسف لم يحصل, والذي نتج عنه ما نتج من اخفاقات وتردي وهزائم وصولا الى هذا الوضع المأساوي! (نرجوا الاطلاع على مقال نعم وطنيون قوميون وامميون ومشروعنا اسلامي).
http://hkaek.halamuntada.com/montada-f7/topic-t222.htm

في هذا المقال نسلط الضؤ على فشل الفكر القومي العربي من "كتاب نظرية الثورة العربية" للمفكر والباحث الاستاذ عصمت سيف الدولة:

-2- المنهج الليبرالي

5- الليبرالية:

الليبرالية فلسفة ومنهج ومذاهب عدة. لا نعرف كلمة عربية تؤدي - تمامأ- مفهومها كمنهج وان كانت أقربها كلمة: التلقائية. في الليبرالية نلتقي بتلك العلاقة التي نصادفها كثيراً فيما يدور من حديث حول نظرية تغيير الواقع العربي أو نظرية الثورة العربية. نعني بها الرابطة بين الفلسفة كفهم معين للوجود بما فيه الواقع العربي، والمنهج كمعرفة لقوانين معينة لتغيير ذلك الواقع، والنظرية كتحديد لمنطلق التغيير وغايته وأسلوبه. تلك الرابطة التي يعنيها المتحدثون عادة عندما يتكلمون عن ضرورة ان تكون للثورة العربية نظرية "متكاملة".يكفي الآن ان نعرف ما يهمنا من أمر الليبرالية كمنهج.

عرفنا (فقرة 3) ان المشكلة الأساسية التي يطرحهـا تغيير الواقع الاجتماعي هي قابلية، او عدم قابلية، الانسان للانضباط في حركته من الماضي الى المستقبل بقوانين او نواميس حتمية، معروفة او تمكن معرفتها. وان مصدر المشكلة هو ما يبدو من تناقض بين هذا الانضباط بقوانين حتمية و حرية الارادة الانسانية. وقلنا ان عدم قابلية حركة الانسان للانضباط يؤدي الى أن يكون مستقبل التغيير الاجتماعي غير قابل للمعرفة وبالتالي تستحيل معرفة نظرية تغيير الواقع: منطلقه وغايته وأسلوبه.وقد قدمت الليبرالية حلاً لهذه المشكلة.

كان الحل وليد الثورة العلمية التي كشفت عن كثير من قوانين او نواميس الطبيعة في القرنين السادس عشر والسابع عشر وكانت مقدمة للثورة الصناعية في اوروبا. ويمكن اعتبار الكشوف الرياضية والفيزياثية التي قام بها اسحاق نيوتن بالذات قاعدة علمية للفكر الليبرالي سيظل حاملأ طابعها حتى النهاية. فقد أدت تلك المعرفة الوفيرة، والمبكرة، بمدى ما في الكون من حركة منضبطة ونظام محكم الى انهاء الشك في أن تكون حركة الظواهر الاجتماعية خاضعة لقوانين تحكمها. ولم يكن باقيأ إلا اكتشاف تلك القوانين. وذلك ما حاولته جماعة من أكثر أبناء البشرية نبوغأ في زمانهم. مبتدئين من مقولة بسيطة وواقعية معأ، هي ان "الانسان اجتماعي ولكنه حر". فاكتشفوا فيما قالوا- كل واحد بطريقته - قانون حركة المجتمعات الذي يوفق بين حتمية التغير الاجتماعي وبين حرية الارادة الانسانية في الوقت ذاته. وأسموه "القانون الطبيعي". والقانون الطبيعي فكرة - ككل الأفكار الأوروبية - ذات جذور في الفلسفة الاغريقية. ولكنها تحولت على أيدي مفكري الليبرالية الى قانون. وهو قانون حتمي. اما "انه طبيعي" فلا يعني انه احد قوانين الطبيعة المادية، انما يعني انه ذو فعالية تلقائية لا تتوقف على ارادة الانسان. أما مضمون هذا القانون كمنهج للتغير الاجتماعي فيمكن تلخيصه مركزاً في كلمات قليلة: "ان مصلحة المجتمع ككل تتحقق حتماً من خلال عمل كل فرد فيه على تحقيق مصلحته الخاصة". ورتبوا على هذا ان افضل طريق على تحقيق الصالح الاجتماعي هو أن يكف المجتمع (ممثلاً في الدولة) عن التدخل في المحاولات الفردية لتغيير الواقع، وان تبقى الدولة في حدود وظيفتها "الطبيعية" وهي حراسة القانون الطبيعي من أية محاولة لتعويق فعاليته وذلك بأن توفر للناس في المجتمع الأمن الخارجي والأمن الداخلي وتنفذ ما يصل اليه الناس بإرادتهم الحرة.

كلمات بسيطة كانت تبدو محكمة. ساندتها أكثر الافكار خصوبة خلال قرنين أو أكثر. وكان وراءها ألمع المفكرين والباحثين والعلماء (فولتير، لوك، جوته، روسو، هيوم، كانت، آدم سميث، ريكاردو، مالتس .. الخ) وهي كلمات ثورية أيضاً نقلت الأوروبيين من ظلمات القرون الوسطى الى مشارف القرن العشرين. وغيرت وجه الحياة في العالم كله، وكانت محركاً لكل الثورات الكبرى من أجل الحرية خلال تلك الحقبة من التاريخ. وهي كلمات خلاقة . فقد كانت الاساس الفكري لكثير من النظريات في الدولة وفي الحكم وفي الاقتصاد وفي القانون وفي الاجتماع وفي الأدب وفي الفن وفي الاخلاق .. الخ. بل منها انبثقت مذاهب جديدة في الدين المسيحي ذاته ..وقبل قرن ونصف كانت مسلمّة تبدو عصية على النقد. فاحتاج البحث العلمي إلى قرن من الزمان ليكتشف الخطأ فيها، ويكتشف معه كم دفع البشر من ثمن دموي فادح لهذا الخطأ. ذلك لأن المنهج الليبرالي ليس سوى الأساس الفكري الذي قام عليه المذهب الرأسمالي . واغلب ما قدمه الاشتراكيون من دراسات وأبحاث كان منصباً في الأساس على كشف الخطأ العلمي في ذلك المنهج حتى لو كان قد تناول واحدة أو أكثر من النظريات القائمة على أساسه. يحركهم في هذا ما لمسوه من واقع مجتمعات أوروبا في القرن التاسع عشر من فشل النظام الرأسمالي في أن يحقق مصلحة المجتمع ككل من خلال محاولة كل فرد فيه تحقيق مصالحه الفردية الخاصة. فقد بدأ قانون المنافسة الحرة يقضي على حرية المنافسة ويؤدي الى الاحتكار. وقدم البؤس الاجتماعي الذي تعانية اغلبية الناس في المجتمع الرأسمالي دليلاً من الواقع على ان ترك كل واحد يفعل ما يشاء يؤدي إلى أن كثيراً من الناس لا يستطيعون ان يفعلوا ما يشاءون.

ومع محاولة الليبراليين الدفاع عن واقعهم ذاك بنسبة الخطأ الى الممارسة على وجه يمكن تصحيحه بمزيد من التنظيم الرأسمالي، ومحاولة بعض الرواد الاشتراكيين اكتشاف الخطأ في النظرية الرأسمالية على وجه يمكن تصحيحه بمزيد من التدخل الحكومي أو النقابي في النشاط الاقتصادي، كان آخرون من بينهم كارل ماركس- يحاولون اكتشاف الخطأ في مستويات أعمق من الممارسة ومن النظرية. فانتبهوا الى خطأ المنهج الليبرالي ذاته. وقد اتبع كارل ماركس في هذا اسلوباً فذاً، هو دراسة النظام الرأسمالي كما هو، ومحاولة تحليل علاقاته، وتتبع تطوره في المستقبل طبقاً، لذات قوانينه الليبرالية، ليثبت أنه نظام سيؤدي في النهاية، حتما وبدون توقف على نوايا الرأسماليين، إلى تجريد الأغلبية الساحقة في المجتمع (البروليتاريا الطبقة التي ستفرزها الرأسمالية حتما) من مصالحها واستئثار قلة من الناس (الرأسماليين) بكل المصالح في المجتمع. أي حاول ماركس كشف خطأ المنهج الليبرالي عن طريق الوصول به الى غاية منطقه وذلك من خلال تحليل النظام الرأسمالي ليثبت بهذا كيف أن الممارسة ستكذب ما يتوقعه المنهج، وكان كل هذا هو جوهر موضوع كتابه "رأس المال". ولم يكن كارل ماركس إلا واحداً من "مدرسة المتشائمين" التي كانت قد نشأت قبل أن يكتب ماركس كتابه. ولكنه واحد متميز. فمن قبله كان مالتس الاقتصادي الرأسمالي - مثلاً- قد انتهى الى "التشاؤم" من مستقبل النظام الرأسمالي وهو يدرس نظرية السكان بمنهج ليبرالي ولكنه لم ير في مشكلة السكان مشكلة النظام كله. أما ماركس فقد حكم على النظام الرأسمالي كله بمستقبل شؤم على الناس وعلى المجتمعات فوجه بذلك طعنة نافذة الى الليبرالية فلسفة ومنهجاً ونظرية.

وغير ماركس ومالتس كثيرون. بصرف النظر عن مدى التوفيق الذي أصابه كل منهم في أبحاثه، فان الممارسة – محك اختبار النظريات – لم تلبث ان اثبتت خطأ الليبرالية. فقبل ان ينتهي القرن التاسع عشر كانت ضرورة تدخل الدولة في النشاط الفردي، لتصحيح القانون الطبيعي، مسلمّة في كل المجتمعات الرأسمالية ومن أغلب مفكري الليبرالية. ويزداد نطاق هذا التدخل يوماً بعد يوم، ويمتد من مجال الى مجال. واضمحلت حتى انتهت، أو كادت أن تنتهي، أحزاب "الأحرار" التي كادت يوماً ان تكون "دولية" وكانت تقيم من أنفسها حراسة جماهيرية لفاعلية القانون الطبيعي ضد تدخل الدولة. ومهما يكون – اليوم – من خلاف بين الرأسماليين او بين مفكري الليبرالية حول مدى تدخل الدولة أو مجاله فإن قوانين الليبرالية قد فقدت حتميتها. وعندما يفقد القانون حتميته لا يصبح قانوناً. وهذا ما يحاول مفكرو الرأسمالية – الآن – المناقشة فيه. فمع علمهم بأن الواقع الرأسمالي قد كذّب حتميته القانون الطبيعي كانوا أمام أمرين:
إما الاعتراف بخطأ المنهج الليبرالي والنظرية الرأسمالية التي قامت على أساسه وهو ما يعني إدانة النظام الرأسمالي، وإما إنكار الحتمية على قوانين الحركة الاجتماعية لتظل الرأسمالية قائمة في الواقع بعد أن سقط أساسها الفكري. فاختاروا الثانية حفاظاً على مصالحهم وحماية للرأسمالية من رياح التغيير. واصبح مفكروا الرأسمالية هم أشد الناس نقداً، ورفضاً، لنظرية الحتمية. وهم المصدر الأساسي للنظريات البديلة: اللاحتمية، والاستاتيكية، والوضعية ...الخ.

مؤدى هذا كله أن النظرية الرأسمالية وكل النظريات في الدولة وفي الحكم وفي القانون وفي الاجتماع وفي الأدب وفي الفن ...الخ التي قامت على أساس المنهج الليبرالي قد فقدت أساسها الفكري عندما كذبت الممارسة ما وعد به المنهج وتوقعه. ويمكننا أن نقول أننا في عصر يدافع فيه الليبراليون عن مواقعهم ولكنه عصر زوال الليبرالية وكل ما قام على أساسها من نظريات. غير أن هذا ذاته قد عاد بنا من جديد فوضعنا أمام مشكلة منهج تغيير الواقع الاجتماعي.

6- قصور المنهج الليبرالي:
والواقع أن الليبرالية لم تكن من قبل قد حلت المشكلة إلا جزئياً. كانت قد تقدمت خطوة اساسية نحو الحل الصحيح عندما انطلقت في فهم تغيير الواقع الاجتماعي من انضباط حركة الانسان بقوانين حتمية. وعلمت الناس بهذا ان واقعهم قابل للتغيير وان مايحول دون تغييره هي القيود المفروضة على فعالية القوانين الطبيعية التي تضبط حركته. وان عليهم أن يحطموا تلك القيود حتى يتغير الواقع. علمتهم أن "التحرر" لازم لإمكان تغيير الواقع الاجتماعي. وكان هذا الجانب الصحيح من المنهج كافياً ليتمرد الناس على سادتهم وان يسقطوا وصاية الكنيسة وامتيازات الملوك والنبلاء وأمراء الاقطاع ويمزقوا العلاقات الاقطاعية، الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، ثم ينطلق كل منهم محاولاً أن "يفعل ما يشاء" تحت شعار الليبرالية: "دعه يعمل دعه يمر". وكان ذلك كسباً عظيماً للتقدم البشري.

غير أن الليبرالية التي اكتشفت ان للواقع الاجتماعي قوانين حتمية تضبط حركته لم تكتشف ماهية تلك القوانين. وتعبير "القانون الطبيعي" يدل بذاته على أن ثمة قانوناً أو قوانين موضوعية، وليست وضعية، ولكنها غير معروفة. ولما كانت معرفة القانون وشروط فعاليته (إذا حدث كذا … حدث كذا) لازمة لإمكان استخدامه عن طريق التحكم في تلك الشروط لتغيير الواقع الاجتماعي فإن الناس لم يعرفوا من الليبرالية كيف يغيرون مجتمعاتهم فتركوها تتغير. علمتهم الليبرالية كيف يتحررون ولكنها لم تعلمهم ماذا يفعلون بالحرية. بل زادت فعلمتهم ألا يشغلوا أنفسهم بالتغيير الاجتماعي أو يحاولوه اتكالاً على "غائية" ميتافيزيقية نسبتها الى قوانين الحركة. خلاصتها انها تتجه بالنشاط الفردي الى تحقيق مصلحة المجتمع، وحتماً. وتلك هي الثغرة الكبرى في الفكر الليبرالي. لأن القوانين ضوابط حركة يستخدمها الانسان الواعي لتحقيق غاية، وليست القوانين قوة واعية بغاية تستخدم الانسان لتحقيقها. إذ الانسان هو الكائن الذكي الوحيد. ولقد كان هذا القصور كافياً ليقف الليبراليون من تقدم مجتمعاتهم مواقف سلبية، ولكي تكون المجتمعات في الليبرالية قوى خاملة متروكة لمصيرها التلقائي، تحت شعار: "دعها تتغير " المعادل الاجتماعي لشعار الحركة الفردية: "دعه يعمل". اما تتغير الى ماذا ؟ فذاك ما حال المنهج الليبرالي دون معرفته بل "حرم" محاولة معرفته مكتفياً بتأكيد أنه سيكون في صالح المجتمع. وبهذا كانت "الليبرالية" وما تزال، تمثل "جبرية" اجتماعية لا مفر منها لأنها "طبيعية" بالرغم من أن الانسان – طبقاً لها – حر بطبيعته!

وهكذا كان الحل الليبرالي لمشكلة التغيير الاجتماعي متضمناً معرفة أكثر بفعالية الانسان وغير متضمن شيئاً يذكر عن فعالية المجتمع. وسيظل هذا القصور في المنهج حائلاً دون ان يكون للمجتمع – في الفكر الليبرالي – أثر ايجابي في تحديد منطلقات أو غايات أو أساليب التغيير الاجتماعي. وستظل كل نظريات التغيير الليبرالية نظريات فردية. كما ستظل "الفردية" ذات دلالة صحيحة على الذهنية الليبرالية.

وقد انعكس هذا كله – ايجابياً وسلبياً – على كل التغيرات الاجتماعية التي تمت في ظل الليبرالية.
ففي ظلها استطاعت مجموعات الافراد، الرواد، العباقرة أو المغامرين، يكاد التاريخ - من قلتهم – أن يحصي اسماءهم واحداً واحداً، استطاعوا أن يكتشفوا العالم وان يقهروا الطبيعة بالعلم وأن يحققوا الثورة الصناعية وان يرسوا قواعد حضارة الرخاء المادي (الحضارة الأوروبية المعاصرة) وان يستهلكوا في سبيل هذا اعداداً لا حصرلها من البشر. ومع هذا فإن كل ذلك الرخاء ظل "ملكية خاصة" لأصحابه وهم قلة يكاد التاريخ أن يحصي اسماءهم واحداً واحداً بدون ان يستفيد منه أحد غيرهم. بل كان بالنسبة الى غيرهم فقراً على فقر وعبودية ليست أفضل من عبودية القرون الوسطى. وبقيت المجتمعات (الشعوب) محرومة من ثمار التقدم في ظل الرأسمالية (النظام الليبرالي في الاقتصاد) إلى ما قبل قرن أو أكثر قليلاً. أي إلى أن اكتشف الناس خطأ الاتكال على تلقائية التغيير الاجتماعي فبدأوا يتصدون ايجابياً للواقع الرأسمالي محاولين تغييره. وكان أول ما غيروه، وبدون تغييره ما كانوا ليغيروا شيئاً، هو منهج التغيير الاجتماعي ذاته: رفض ما علمتهم الليبرالية من ان مصالحهم ستتحقق حتماً بحكم فعالية "القانون الطبيعي". وهكذا كان التحرر من خطأ الليبرالية أول خطوة في سبيل تغيير الواقع في المجتمعات الرأسمالية. وسيكون الخطوة الأولى في سبيل تغيير أي واقع اجتماعي. تغيير لا تغير.

ولم يكن قصور المنهج الليبرالي ذا أثر مقصور على الحياة الاقتصادية. بل لقد اثرت الليبرالية – ايجابياً وسلبياً – في كل نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والادبية والفنية. وعلامتها في كل ميدان واحدة: التقدم ولكن للخاصة. ثم انها قد أثرت – ايجابياً وسلبياً – في واحدة من أهم القضايا التي تهمنا في الوطن العربي ونعني بها: القومية.

فمن الدارج فيما يكتب عن الأمة وعن القومية انها ذات صلة "خاصة" بالرأسمالية وان الحركات القومية حركات "برجوازية" أخذاً بظاهر تاريخ الحركات القومية في أوروبا ونقلاً في أغلب الحالات عن الفكر الأوروبي. ومع أن أوروبا ليست هي المكان الوحيد من الأرض الذي وجدت فيه الأمم حتى تكون الأمم الأوروبية نماذج لأمم الأرض، وبالرغم من أن اغلب ما قدمه الفكر الأوروبي عن القومية مليء بالخلط الخاطيء بين الأمة والشعب والدولة، وبين القومية والحركة القومية … إلا ان ما يهمنا – هنا – هو ان نعرف من أين جاءت تلك الاخطاء في فهم القومية.

والمسألة ببساطة هي أن الليبرالية كانت قد علمت الناس في أوربا أن يتحرروا من كل ما هو مفروض عليهم وان يعودوا الى كل ما هو طبيعي، ثم ان يتركوا الامور تجري إلى غايتها الطبيعية غير المعروفة. كذلك فعلوا في ميدان النشاط الاقتصادي وكذلك فعلوا في ميدان النشاط القومي. فبالعودة الى الطبيعة اكتشف كل واحد منهم مجتمعه "الطبيعي" الذي ينتمي اليه. اكتشف كل واحد "أمته" وهـذا يعني أنه لم يوجدها بل كانت موجودة فعرفها. وعرف من هذا انتمائه اليها فعرف القومية. فلما أراد أن يتحرر من الكيانات السياسية المفروضة عليه ليقيم بدلا منها دولة "طبيعية" وجد ان الدولة القوميةهي الدولة التي تتفق في عنصريها: البشر والوطن، مع المجتمع الطبيعي فكانت الليبرالية منهجاً صالحاً وكافياً لنشوء الحركات القومية التي اسقطت امارات الاقطاع في أوروبا وحققت الوحدة القومية.

ثم ... وقف الأمرعند هذا الحد. فالأمة- في الليبرالية- وجود اجتماعي طبيعي يعرف من أوصافه. والواقع ان الفكر القومي الليبرالي كله ليس الاتعريفأ وتوصيفا وخلافاً حاداً حول تعريف وتوصيف الأمة. والقومية - في الليبرالية - علاقة طبيعية بين أبناء الأمة الواحدة. ولكنها علأقة سلبية لأنها مجرد انتماء لا يتضمن التزاماً بشيء الا لاحفاظ عليه. والحركات القومية نضال فكري وسياسي وثوري في بعض الاوقات ضد التجزئة ومن أجل الوحدة القومية لا أكثر.

وستظل كل الكتابات الليبرالية التي صدرت منذ القرن السابع عشر حتى الآن، عن الأمة و عن القومية، وعن الحركات القومية، وعن الوحدة القومية مطبوعة بالطابع الليبرالي ايجابياً وسلبياً،. فهي تعترف بالوجود القومي (الأمة) وتصفه وتعدد مميزاته بدون ان تبحث في تاريخه لتعرف لماذا وجد، وبدون أن تتابع مصيره لتعرف ماذا سيكون. وهي تشيد بالقومية وتتعصب لهـا بدون أن تعرف في القومية التزامأ بغير الابقاء على ذاتها دفاعأ عن الوجود القومي. وهي تدعو الى الوحدة القومية ولكن الوحدة في دعوتها مجرد تجسيد سياسي للواقع مقطوع الصلة بالمستقبل.

ان هذا لا يعني ان الأمة وجود عقيم، أو ان القومية رابطة سلبية، او ان الوحدة القومية غـير ذات مضمون، ولكن يعني ان هكذا نفهم الأمة والقومية والوحدة اذا كان دليلنا في المعرفة منهج الليبرالية. وهكذا فهم الليبراليون اممهم وقومياتهم ومارسوا حركاتهم القومية لأن "الحل الليبرالي، لمشكلة التغيير الاجتماعي يتضمن معرفة أكثر بفعالية الانسان ولا يتضمن شيئأ يذكر عن فعالية المجتمع"!

وكان من أثر هذا ان "المسألة القومية" كما تسميها الكتابات الاوروبية لم تدرس، وبالتالي لم تفهم، الا خلال الصراع من أجل الوحدة وللفترة التي استغرقتها الحركات القومية حتى أقامت دولها القومية. ثم اعتبرت مسألة منتهية، لا يدرسها أحد ولا يحاول فهمها إلا اذا ثار نزاع حول الحدود. وهذا يفسر كيف ان ما يردده الليبراليون حتى اليوم عن الأمة وعن القومية هو ذات ما قاله فلاسفة ومفكرو الليبرالية منذ ثلاثة قرون. وسنرى أثر هذا عندما تعود "المسألة القومية" فتطرح ذاتها بقوة على الماركسيين في مطلع القرن العشرين.

المهم ان نفطن هنا، وقبل أن ننهي حديثنا عن الليبرالية، الى أثرها في حركات التحرر في الوطن العربي. فقد بدأت تلك الحركات "قومية الاتجاه اقليمية القوى" مع مطلع القرن العشرين ايضاً، كرفض ومقاومة للتسلط الطوراني داخل دولة الخلافة تستهدف الاستقلال عنها دولة عربية تضم الشرق العربي. (ثورة 1916). وبعد الحرب الأوروبية الأولى (1914 – 1918) وتجزئة باقي الوطن العربي الى دول ودويلات أصبحت حركات تحررية وحدوية تستهدف التحرر من الاستعمار الاوروبي وإقامة الدولة القومية: دولة الوحدة. وبقيت كذلك الى ما قبل خمس عشرة سنة تقريباً. وطوال تلك الفترة، أي على مدى نصف قرن تقريباً، كانت حركات ليبرالية خالصة. كان اساتذة الفكر القومي ودعاة الوحدة والمناضلون في سبيلها يطرحون قضيتهم كما طرح الليبراليون قضاياهم القومية، وينقلون عنهم، ويستمدون من اقوالهم ما يدافعون به عن الوحدة العربية، ويحلمون بيوم يرون فيه "بسمارك" العرب يقيم دولة الوحدة. وساد في الوطن العربي تيار قوي يرى الأمة قدراً والوحدة مصيراً بدون ان يعرف لماذا كان القدر قومياً ولماذا يكون المصير في الوحدة، وماذا تفعل دولة الوحدة في المجتمع القومي الموحد. كانت الوحدة هدفاً في ذاتها مفرغة – كما نقول اليوم – من أي مضمون اجتماعي.

ولم يكن مرجع ذاك القصور الى أن اساتذة الفكر القومي في الوطن العربي و رواد النضال من أجل الوحدة العربية "بورجوازيون" يبحثون عن وحدة السوق ليوزعوا فيها منتجات مصانعهم الرأسمالية التي لا وجود لها، وإنما جاء القصور من انهم كانوا يفهمون الأمة، ويعرفون القومية، ويناضلون من أجل الوحدة بمنهج ليبرالي. والليبرالية تعلم الناس "كيف يتحررون ولكن لاتعلمهم ماذا يفعلون بالحرية"!

ثم تنتهي الحرب الاوروبية الثانية (1939- 1945) ويبدأ النضال من أجل التحرر يأتي ثماره وتتحرر أقاليم عدة من الاستعمار الظاهـر. ويصبح المنتصرون في معارك التحررمطالبين بأن يستفيدوا من التحرر الذي كسبوه في تغيير الواقع العربي، المجزأ سياسياً، المتخلف اقتصادياً. وتصبح أهم الأسئلة المطروحة عليهم دائرة حول العلاقة بين الوحدة والتغيير الاجتماعي فتنشق الحركة الى جناحين متميزين:

الجناح الأول يفهم الأمة والقومية والوحدة فهماً ليبرالياً، فهو لا يعرف علاقة بين الوحدة والتغيير الاجتماعي. بل يرى ان اقحام القضايا الاجتماعية على القضية القومية يشوه نقاءها ويصد عنها كثيرين فيمزق قواها ويعوّق الوحدة العربية. وهو يدعو الى تأجيل. كافة القضايا الاجتماعية الى ما بعد الوحدة. ويزعم أن كل شيء "بعد الوحدة" سيسير سيرأ طبيعيأ . كيف؟… لا يعرف. اما عن مشكلة التخلف فان رفع القيود عن النشاط الاقتصادي واطلاق المجال امام المبادرات الفردية سيؤديان الى النمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي. كيف؟… لا يعرف ايضأ. إنما له هنا حجة من تاريخ الرأسمالية الاوروبية. ولكن الممارسة لا تلبث ان تكذب دعاوى الليبرالية في الوطن العربي على وجه لم يعرفه الليبراليون من قبل. ذلك لأن الليبراليون العرب دخلوا ميدان المنافسة الرأسمالية بدون رصيد علمي أو مالي أو مادي او بشري في وقت كانت الرأسمالية العالمية قد قضت فيه على حرية المنافسة وتحولت الى نظام احتكاري عالمي. فكانت عوامل الفشل مضاعفة. ولم تكن امام الرأسماليين العرب أية فرصة ليؤدوا الدور الخلاق الذي قام به رواد الرأسمالية في اوروبا. فاحتوتهم الاحتكارات العالمية. تقدم اليهم خبرتهم ورؤوس أموالهم وتقيم لهم المنشآت ثم تستخدمهم في ادارتها فإذا هم تابعون ثقافياً ومالياً ومادياً وإدارياً للقوى الاستعمارية، فيفقدون خفية الحرية التي كسبوها علناً. ويعود الاستعمار من جديد في شكل جديد الى المواقع التي غادرتها جيوشه. وتؤدي الليبرالية الى تجريد القومية حتى من مضمونها التحرري فيموت هذا الجناح. يموت كجناح من الحركة القومية وان بقي أفراداً وجماعات من العملاء أو التابعين للاحتكارات العالمية، يناهضون القومية بكل الطرق بما فيها ادعاء القومية ويروجون لوحدة تضع الوطن العربي كله في قبضة استعمارية واحدة.

أما الجناح الثاني فقد بقي وحده يمثل الحركة القومية وان ظلت قواه متفرقة. فهو يكافح كفاحاً مستميتاً لانجاز مرحلة التحرر القومي والحيلولة دون عودة الاستعمار في شكلة الخفي الجديد. وهو يدعو الى الوحدة ويعمل على تحقيقها. وهو يحاول تجاوز مرحلة التخلف في الأرض المتحررة. كل هذا معاً. وهو ما يزال يفهم الأمة والقومية فهماً ليبرالياً موروثاً، ولما كان هذا الفهم الليبرالي للقومية لا يقدم له معرفة تذكر بكيفية التغيير الاجتماعي وعلاقته بالوحدة القومية فقد لجأ الى منهج "التجربة والخطأ" وادان بقوة، ولفترة طويلة، الالتزام العقائدي وأسماه جموداً، واصطناعاً وادعاءاً... وجرب ما شاء، واضاع في التجارب جهوداً وطاقات وفيرة الى أن اهتدى الى الحل الاشتراكي " كضرورة " فرضها عليه التخلف الاقتصادي وفشل تجارب التنمية عن طريق الرأسمالية. فطرح على الحركة القومية التي أصبحت ممثلة في هذا الجناح السؤال القديم بصيغة جديدة. لم يعد سؤالاً عن علاقة الوحدة بالتغيير الاجتماعي، بل أصبح عن العلاقة بين الوحدة والاشتراكية على وجه التحديد.

وفي الإجابة على هذا السؤال نجد أنفسنا أمام تيارين داخل الحركة القومية العربية. أحدهما تيار سائد والاخر تيارصاعد. وهما تياران مختلطان، لا منفصلان، ولامفرزان، ولامتضادان. السائد منهما يمثل الحركة القومية بسماتها العامة والصاعد يمثل ذات الحركة في تطورها نحو النضج والبلورة. السائد هو التجربة كما هي والصاعد هو خلاصة التجربة وعبرتها. أو نقول أن التيار الصاعد هو ابن تجربة التيار السائد وخلقها، لم يوجد من خارجها بل هي التي أوجدته من معاناتها النضالية.

أما التيار السائد فما يزال يفهم الأمة أو القومية كما تعلمها من أساتذة الفكر القومي الأوائل فهي سلبية بالنسبة الى مشكلات التغيير الاجتماعي. ومن هنا تبقى الوحدة مطلباً قومياً يصر عليه ويبرره ليبرالياً وان كان لايعرف علاقته بالاشتراكية. اما الاشتراكية فقد عرفها بالتجربة كضرورة لتخطي مرحلة التخلف الاقتصادي. فهي مطلب قائم على أساس مستقل. وهما معاً مطلبان كان من حظنا التاريخي ان نحتاج اليهما معاً. فيكفي ألا يكون بينهما تناقض ولكن لايلزم على أي حال أن تقوم الوحدة والاشتراكية على أساس فكري واحد. والعبرة بما نحققه في الممارسة بغير قيد من النظريات مع الحفاظ في كل خطوة على المكاسب التحررية.

والواقع انه تيار عريض تنتمي إليه قوى كثيرة قد لا يكون هناك شك في اخلاصها للحرية والوحدة والاشتراكية، وقد لا يكون فيما تبذله من جهد قصور عن امكانياتها المتاحة، ولكن ثمة شك كبير في معرفتها كيف تغير الواقع العربي على وجه تتحقق به شعاراتها. فهي تنتقل من نجاح إلى فشل، ومن صعود إلى نكسة، ومن نصر إلى هزيمة. وهي تحاول تصحيح مسيرتها المضطربة بنسبة الخطأ إلى الممارسة على وجه يمكن تصحيحه بمزيد من التنظيم أو إلى القومية على وجه يمكن تصحيحه بتأجيل الوحدة أو إلى الاشتراكية على وجه يمكن تصحيحه بالتراجع عنها. التراجع عنها ولو عن طريق "اليسار الطفولي". وفي كل يوم لها موقف تجريبي جديد وإن كانت ما تزال صامدة في موقفها من قضايا التحرر.

أما التيار الصاعد، في قلب الحركة القومية العربية، فيرى أن الحساب الختامي لأية مسيرة غير عقائدية خسارة فادحة. وأنه ما دامت حركة المجتمعات منضبطة بقوانين حتمية معروفة أو تمكن معرفتها، وأن معرفة تلك القوانين وشروط فعاليتها لازمة لإمكان تغيير الواقع الاجتماعي، فإذا كنا قد فشلنا مرة، ومرة، ومرات فأن هذا لا يعنى أن نصر على التجريب في حياة الناس بل يعني أن علينا أن نبذل جهدآ أكبر في معرفة كيف نغير واقعنا. وأن المصدر الأساسي للفشل لم يكن خطأ الممارسة أو خطأ في القومية أو خطأ في الاشتراكية ولكن مرجعه أن الفهم "الليبرالي" للقومية لا يعلمنا العلاقة بين الوحدة والاشتراكية، فيبقى الموقف القومي من الاشتراكية مفتقدآ أساسه الفكري، وأن المنهج "التجريبي" في الاشتراكية لا يعلمنا العلاقة بين الاشتراكية والقومية فيبقى الموقف الاشتراكي من الوحدة مفتقداً أساسه الفكري. وان هذا القصور في "النظرية" قد سمح بأن تختلط بالقوى القومية التقدمية، داخل الحركة القومية، قوى رأسمالية متراجعة أو لا قومية متراجعة أو انتهازية ترفع جميعاً شعارات واحدة وتحتفظ كل منها بفهم خاص وتفسير خاص للشعارات الموحدة. فإذا بالحركة القومية "المنتفخة" بقواها غير قادرة على أن تحقق شعاراتها أو حتى أن تجمع في قوة واحدة جماهيرها العريضة. وأن الفشل المتكرر يعني أن ثمة خطأ ما في المسيرة كلها لا يكفي لتصحيحه مجرد الجمع في شعار واحد بين الحرية والوحدة والاشتراكية. فلا بد لنا من "نظرية" لتغيير الواقع العربي أكثر وضوحاً وأكثر بلورة وأكثر مقدرة على فرز القوى المختلطة داخل الحركة القومية. نظرية نلتقي بها في قوة واحدة ولو كانت أقل عدداً. ونلتزم فيها بخطة واحدة ولو كانت أطول مدى. وتقود خطانا ولو كانت أبطأ حركة. فإننا حينئذ سنتقدم تقدماً مطرداً بدلاً من أن نقفز إلى الأمام لنعود فنقفز الى الخلف ولا نتقدم الا قليلاً. وأن علينا أن نهتدي الى هذه النظرية ولو اقتضى هذا أن نراجع كل ما نعرف عن القومية وكل ما نعرف عن الاشتراكية. وما دمنا نريد أن نغير واقعنا العربي المجزأ سياسياً المتخلف اقتصادياً فلا ينبغي لنا أن نسلم بنظرية في القومية لا تعلمنا كيف نحقق الاشتراكية أو نظرية في الاشتراكية لا تعلمنا كيف نحقق الوحدة. وإذا اقتضى الأمر نبحث في مستوى أعمق من هذا لعلنا نعرف لماذا تفشل تلك النظريات في تعليمنا كيف نغيّر واقعنا العربي فتفشل مسيرتنا بالرغم مما نبذل من جهد وما نقدم من تضحيات. وأول ما يجب ان نعرفه هو كيف عرف أصحاب تلك النظريات في القومية أو في الاشتراكية أن القومية أو الاشتراكية هي- حقيقة – على الوجه الذي قالوه وتعلمناه منهم. فلعلنا أن نعرف من حقيقة القومية أو الاشتراكية غير ما يعرفون. أي أن علينا أن نعرف ونختبر مناهجهم قبل أن نقبل أو نرفض نظرياتهم، وقبل أن نمارسها أو نجربها في تغيير الواقع العربي . وهذا لا يتأتى لنا إلا إذا كنا قد تعلمنا كيف يتغير الواقع الاجتماعي عربياً كان أو غير عربي. ومهما يكن الوقت أو الجهد الذي نبذله لنتعلم فإن مسيرتنا ستكون مسيرة منتصرة. ومهما أدى هذا الى كشف الاخطاء التي عشنا أو نعيش تحت تأثيرها فإن تلك ثورة ثقافية لا بد لنا من أن نقبل ما تؤدي اليه ليكون التقاؤنا في الممارسة التقاء عقائدياً فننتصر.
لا يعني هذا أن نتوقف عن مواجهة المشكلات التي يطرحها واقعنا العربي ونكف عن معالجتها بما هو متاح إلى ان نهتدي الى نظرية، بل يعني ان نضيف الى جهدنا في التقدم بما هو متاح جهداً آخر في سبيل التقدم بما يجب أن يكون.

في خدمة هذا التيار الصاعد في قلب الحركة القومية العربية اجتهادات فكرية كثيرة ينتمي اليها هذا الحديث. وقد عرفنا منه – حتى الآن – أنه لكي نعرف نظرية تغيير الواقع لا بد لنا من أن نعرف منهج تغييره (فقرة 1). وان معرفة ذلك المنهج ممكنة لأن كل الاشياء والظواهر منضبطة في حركتها بقوانين حتمية معروفة أو تمكن معرفتها (فقرة 2)، وان ذلك مسلّم بالنسبة الى الطبيعة المادية ولكنه يصطدم في التغيير الاجتماعي بما يبدو من تناقض بين حتمية قوانين التغيير الاجتماعي وحرية ارادة الانسان (فقرة 3) وأن ثمة محاولات عديدة لاكتشاف حل لذلك التناقض (فقرة 4) وأن الليبرالية كانت واحدة مبكرة من تلك المحاولات (فقرة 5) وان المنهج الليبرالي لم يصدق في الممارسة التي تمت على هديه (فقرة 6).
وعندما نتحرر من الليبرالية نعود مرة اخرى ونجد أنفسنا أمام مشكلة المنهج.



يتبع.

www.alfikralarabi.org/modules.php%3Fname%3DNews%26file%3Darticle%26sid%3D380+%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AA+%D9%85%D9%86%D8%B6%D8%A8%D8%B7%D8%A9+%D8%A8%D9%82%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%86+%D8%AD%D8%AA%D9%85%D9%8A%D8%A9+%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%88%D9%81%D8%A9+%D8%A3%D9%88+%D8%AA%D9%85%D9%83%D9%86+%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%81%D8%AA%D9%87%D8%A7&cd=1&hl=en&ct=clnk&gl=uk" target="_blank" rel="nofollow">http://webcache.googleusercontent.com/search?q=cache:vMMCaeVluJEJ:www.alfikralarabi.org/modules.php%3Fname%3DNews%26file%3Darticle%26sid%3D380+%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AA+%D9%85%D9%86%D8%B6%D8%A8%D8%B7%D8%A9+%D8%A8%D9%82%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%86+%D8%AD%D8%AA%D9%85%D9%8A%D8%A9+%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%88%D9%81%D8%A9+%D8%A3%D9%88+%D8%AA%D9%85%D9%83%D9%86+%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%81%D8%AA%D9%87%D8%A7&cd=1&hl=en&ct=clnk&gl=uk


عدل سابقا من قبل القادسية في الخميس نوفمبر 04, 2010 1:41 am عدل 1 مرات

القادسية

المساهمات : 329
تاريخ التسجيل : 07/04/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

نظرية الثورة العربية 4 - المنهج الإسلامي

مُساهمة من طرف القادسية في الأربعاء أكتوبر 20, 2010 5:14 pm

نظرية الثورة العربية 4 - المنهج الإسلامي
- عصمت سيف الدولة

-4- المنهج الاسلامي

12- مقدمة عن التراث

عندما نتحدث عن المناهج والنظريات ونطرح ما نعرفه عن الحتمية، والليبرالية، والجدلية، والمثالية، والمادية … الخ في محاولة لمعرفة كيف تطوّر واقعنا الاجتماعي، يترّحم بعض الناس على الذين فقدوا جذورهم وتجاهلوا تراثهم فذهبوا يلتمسون المعرفة عند مفكري الغرب، ويستوردون منهم أفكارهم، وينسون أن الأوروبيين هم الذين استعمروا بلادهم واذلوا أمتهم وحطموا حضارتهم عامدين . وان مفكري الغرب قد أضلوهم أولاً، ويضللونهم اليوم، ولن يكفوا عن تضليلهم إلى يوم يبعثون. لأنهم بهذا التضليل سادوا، وبهذا التضليل يحافظون على سيادتهم أو يحاولون استردادها ، وان السادة لايصدقون مع العبيد أبداً . ونواجه بدعوة عاطفة حيناً ، عاصفة حيناً آخر، غاضبة في كل حين: أن عودوا إلى تراثكم تعرفوا كل شيء فقد سبق أسلافكم الغرب إلى معرفة ما تحاولون معرفته لو كنتم تعقلون.

تلك دعوة لها في الأمة العربية أنصار كثيرون فلا يتجاهلها إلا الذين يخادعون أنفسهم وكأنهم يخاطبون بما يقولون مجتمعاً غير هذه الأمة. ونحن لا ينبغي لنا أن نخادع أو نخدع أو ان نستعلي على الناس في أمتنا فنتجاهل دعوة لها بين الناس أنصار كثيرون. بل ننتبه فنجتهد فنجيب.

ولنتفق، أولاً، على اننا راغبون في أن نعود إلى تراثنا، لا لنعرفه فقط بل لننميه. وهل يستطيع أحد حتى لو رغب أن يجتث جذوره وينسلخ عن تراثه ؟ .. قد يغالط نفسه ولكن تراثه يبقى فيه. ولنتفق ، ثانياً، على أن الأوروبيين المستعمرين الذين الذين قضوا قروناً طويلة في "عزّ " السيادة على العالم سيحتاجون الى وقت طويل، وغلى دروس صارمة، ليتعلموا المساواة بين البشر. وأن مرض "تفوق الرجل الأبيض" ما يزال في دمائهم، وهم يتلقون الآن الدروس الصارمة في معارك التحرر التي تخوضها الشعوب في بقاع كثيرة من الأرض وفي قلب المجتمعات الأوروبية نفسها. ولنتفق، أخيراً، على أن بعض القضايا الفكرية التي تحدثنا عنها قد طرحها وناقشها أسلافنا من العلماء والمتكلمين على أوسع نطاق قبل بداية الألف الميلادية الثانية، وكانت لهم فيها مذاهب ومدارس وصراعات وصلت إلى حد القتل والقتال انتصاراً للفكرة. ونعرف أن كثيراً من اسلافنا قد سبقوا كثيراً من مفكري أوروبا إلى كثير من الأفكار والنظريات. نعرف أن محي الدين بن عربي سبق اكهارت إلى معرفة "وحدة الوجود". وان الغزالي سبق دافيد هيوم إلى معرفة "السببية". وان ابن رشد سبق وليم جتنر إلى معرفة " المنفعة ". وان ابن جيبرول الاندلسي سبق سبينوزا إلى معرفة "وحدة المادة والروح". وان الفارابي سبق داروين إلى معرفة "التطور". وان ابن سينا سبق ديكارت إلى معرفة "الآنية". وان ابن خلدون سبق ماركس إلى معرفة "المادية التاريخية" … الخ . ونعرف انه منذ القرن التاسع الميلادي، وقبل أن يسجن الأوروبيون جاليليو بسبعة قرون، كان كل من ابن خرداذبة، وابن رسته، والمسعودي قد اكتشف أن الرض كروية، واستنبط ابن سينا فكرة عن الجاذبية، وتولى البيروني قياس حيط الأرض هندسياً … الخ. ونعرف أن اسلافنا قد اخترعوا الرقاص، ورسموا الخرائط، وانشأوا صناعة الطب والصيدلة وابتكروا الصفر، وعلموا الناس الجبر واللوغرتمات … الخ. بل نعرف أن "اخوان الصفا" كانوا في دراساتهم الفلكية قد أسموا يوم الأحد "يوم الشمس"، ويوم الأثنين "يوم القمر" ويوم الثلاثاء "يوم المريخ"، ويوم الأربعاء "يوم عطارد"، ويوم الخميس"يوم المشتري"، ويوم الجمعة "يوم الزهرة"، ويوم السبت "يوم زحل"، فترجمها الاوربيون واطلقوها أسماء لأيام الاسبوع، ولم تزل .
كل هذا نعرفه جيداً ويعرفه بعض الأوروبيين ويعترفون به.

ولكن المسألة كلها ليست هنا. إنما المسألة هي اننا كما حملنا بذور المعرفة عمن سبقونا، ونميناها، ثم نقلناها إلى أوروبا، تلقاها الأوروبيون فنموها، فإذا بنا نلتقي بها مرة أخرى متطورة، مصقولة، مبلورة، مرتبة، مبوبة، أغنى في المضمون وأتقن في الصنعة. نحن اذن لا ننهل من مورد للمعرفة متطفلين عليه، بل نحن مثل كل الأمم التي اسهمت في التقدم الحضاري شركاء في التراث الانساني، ومن حقنا ان نستفيد منه إذا أردنا ان نعود إل تراثنا لننميه، ثم نقدم إلى البشرية مرة أخرى إضافة إلى ما يقدمه الآخرون. فعلى الذين يعتقدون اننا بعدنا عن تراثنا أن يعلموا جيداً اننا نضيف اليه، الآن، وننميه، منطلقين من آخر طور انتهت اليه تلك السوابق التي كان اسلافنا من روادها.

هذا من ناحية.ومن ناحية أخرى فإن العودة الى تراثنا ليست كلمة تقال، بل جهداً يبذل في معركة ضارية نخوضها ضد الذين يريدون ان يقطعوا جذورنا وان يسلخونا من ذلك التراث. والعبرة هنا ليست بالمقدرة على اجترار التراث ولكن بالمقدرة على إنمائه. وتلك معركة لن ننتصر فيها إلا بذات الاسلحة متقنة الصنع ماضية الأثر التي تدور بها معارك العصر. إن اعجابنا ببطولة المبارزين يلتحمون في قتال مباشر لا يعني ان نواجه طائرات الفانتوم بالخناجر. كذلك إذا كنا نريد ان نحافظ على تراثنا وننميه فإننا لن نستطيع هذا بالهروب إلى مخازن السلف الصالح بل نستطيعه فقط عندما نقبل التحدي الحضاري ونخوض صراعاته بأدواته.
ولسنا ننكر أن للمسألة وجهاً آخر.
وهو وجه مريض "بمركب النقص" الذي ورثناه من عهود المذلة تحت السيطرة الاستعمارية. فمع اننا نفضنا، إلى حد كبير، قيود العبودية المفروضة علينا من الخارج إلا أن كثيراً منا ما يزالون عبيداً. إن عقولهم ما تزال مكبلة بقيود الثقافة التي صاغها المستعمرون. فهم يتهمون تاريخهم الذي لا يعرفون من أمره إلا ما علمهم سادتهم، ويخجلون من تراثهم الذي لا يعرفون منه شيئاً حتى لو كانوا قد عرفوا منه ما علمهم المستشرقون. ولا يقبلون الفكرة إلا مكتوبة بحروف لاتينية أو مترجمة عنها، ويتخذون مما قاله المفكرون في أوروبا نموذجاً لما يقولون كان القول ما قاله الأوربيون. إن التحرر هنا يبدو خرافة مضللة. إذ أن محاولتنا تغيير واقعنا الاجتماعي بذهنية العبيد سيؤدي بنا – بدون ان ندري – إلى ان نعد القيود لمن يستطيع أن يضعها في أيدينا، وأن نجهز عرش السيادة لمن يستطيع أن يفرض علينا إرادته. ولن يغير من أمرنا شيئاً، حينئذ، أن تكون قيودنا من صنع ايدينا أو ان يكون سادتنا من بني أمتنا، فسنظل عبيداً لأننا عبيد.

هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى فإذا كان اقصى طموحنا من وراء تغيير واقعنا الاجتماعي أن ننضم إلى قافلة الحضارة الأوروبية ونصبح مجتمعاً أوروبياً فأولى بنا أن نعفي أنفسنا من عناء المحاولة. ولنضع مصيرنا في أيديهم، ولو استأجرنا من بينهم قادة نترك لهم أمر صياغة مجتمعنا كما صاغوا مجتمعاتهم ، فهم أكثر دراية بما يفعلون. وتبدو الحرية هنا كذبة كبيرة. إن كفاحنا من اجل ان نغيّر "نحن" واقعنا الاجتماعي يعني أن قيامنا "نحن" دون غيرنا بهذا التغيير يتضمن شيئاً أكثر من عملية التغيير ذاتها، وأكثر من تكرار التاريخ الأوروبي بكل ايجابياته وسلبياته في الوطن العربي. يتضمن استجابة تجسد ذواتنا كبشر لا يستطيعون أن يكفوا عن الخلق. ويتضمن اختياراً لما نريد من بين ما انجزوه ثم اضافة من عندنا على ما نريد. وذلك هو مبرر إصرارنا على ان نكون نحن المريدين البنائين لمصيرنا . وتتوقف تلك الاضافة ، قبل كل شيء، على اقتناعنا بأن لدينا ما نضيفه إلى التقدم الانساني، وإننا قادرون على إضافته لو حطمنا قيود السيطرة والتخلف التي شلت مقدرتنا زمناً طويلاً. وهو اقتناع يبدو مستحيلاً إذا أفرغنا تاريخنا من مضامينه الحضارية، واجتثثنا جذورنا، وتجاهلنا تراثنا أو جهلناه، ثم بقينا معلقين كالطفيليات بالذين ندعي أننا نرفض ان نكون لهم تابعين.
لا كهانة، إذن، ولا ضياع.

13- الدين والعلم:
بعد هذه المقدمة الخاصة نعود إلى مشكلة المنهج لنطرح السؤال الذي انتظر طويلاً.
ماذا كانت تفعل أمم الأرض قبل القرن السادس عشر ؟ وكيف طور الناس مجتمعاتهم قبل أن يعرفوا ما يسمى بالليبرالية، والجدلية، والمثالية، والمادية ... الخ . إن كانوا قد طوروها إلى ما نعرف من حضارات غير منكورة بدون منهج فذاك تكذيب من الممارسة لما زعمناه منذ البداية من ضرورة المنهج لتطوير الواقع. وإن كانت ثمة مناهج قادت خطاهم إلى التقدم الحضاري فما الذي قاد خطاهم ؟ ..
الاجابة هي: الدين . قبل العلم كان الدين.

ولقد كانت الاديان، كل الاديان، إجابات عن أسئلة "علمية" طرحها تغيير الواقع. فمن خلال الممارسة بدون منهج (التجربة والخطأ) عرف الناس منذ البداية أن لكل شيء سبباً. وعرفوا أسباباً كثيرة لنتائج كثيرة. واستخدموا معرفتهم بنجاح في إشباع كثير من حاجاتهم. ومنذ البداية حتى الآن ومعرفتهم تنمو من خلال الممارسة. غير أنه منذ البداية أيضاً لاحظوا أشياء وظواهر تحدث بدون أن يعرفوا لها سبباً، "فآمنوا" بأن وراءها قوة، أو قوى مسببة لها، وأسموا تلك "القوة" أو "القوى" ما شاءوا من أسماء.
فكانت الاديان منذ البداية تأكيداً لوعي الانسان على الحتمية كما عرفها من الممارسة اليومية .. هذا المفهوم "العام" للدين ما يزال حتى اليوم جزءاً من فكر كل إنسان. ويمكننا أن نؤكد أن لكل انسان على الأرض ديناً بهذا المفهوم. ويستطيع من يريد أن يختبر هذا التأكيد في نفسه أو فيمن يشاء.
ذلك لأنه بالرغم من التقدم المذهل في معرفة القوانين التي تضبط حركة الاشياء والظواهر، وبالرغم من زحف العلم بمعدل فائق السرعة لاكتشاف مزيد من تلك القوانين، وبالرغم من السيطرة القديرة التي يمارسها الانسان على الطبيعة استخداماً للقوانين التي اكتشفوها، فإن السؤال الذي شغل الناس منذ البداية عن ماهية "القوة" التي تحرك الاشياء والظواهر ما يزال يفتقر إلى إجابة علمية. إجابة قابلة للإثبات او النفي بالتجربة والاختبار. نحن نعرف كثيراً من ضوابط الحركة في الكون، واتجاهاتها، ولكنا لانعرف شيئاً، معرفة علمية، عن كيف بدأت الحركة وكيف تنتهي. أي ما يزال للميتافيزيقا عالم. وهو عالم وإن كان يضيق كلما اتسعت المعرفة العلمية إلا أنه لم يزل. وقد انفصلت الميتافيزيقا عن العلم عندما قبل الناس أن يتعاملوا مع الوجود "كما هو" وأن يحاولوا اكتشاف قوانين حركته، ووجدوا في هذا ما يكفيهم لتحقيق ما يريدونه في المستقبل، بدون حاجة إلى البحث في الماضي عن القوة التي حرّكت الوجود أولاً. وكان هذا الانفصال مقدمة لانطلاق العلم إلى مزيد من المعرفة. ولكن الميتافيزيقا لم تزل باقية تشغل الناس. ولكل إنسان، أعلن هذا أو أنكره، إجابة خاصة ، علنية أو خفية على ما تطرحه الميتاقيزيقا من أسئلة أو على ما يطرحه على نفسه من أسئلة عن "سر الوجود". إن لديه " قوة ما" مهما يكن اسمها، فهو يسند إليها ما لا يعرف سببه. وهو "يؤمن" بصحة اسناده ايماناً غيبياً لأنه لايستطيع أن يثبته علمياً، وفي مشكلة الألوهية بالذات ليس الملحدون أقل إيماناً من غيرهم. غيرهم "يؤمن" بأن الله موجود. وهم "يؤمنون" بأن الله غير موجود. وكلهم عاجزون عن اثبات ايمانهم بالاختبار والتجربة العلمية. وكلهم فيما يؤمنون متدينون، وأقلهم وعياً بمدى تدينه، أو بمدى "تعصبه الديني" أولئك الذين يوهمون أنفسهم بأنهم قد حلّوا مشكلة الدين عندما أنكروا وجود الله.

بعد هذا لاتستوي الأديان في أحكامها التي تتصل بنظم الحياة وتطورها وهو ما يهمنا في هذا الحديث. فلا ينبغي أبدأ أن نتحدث بعد هذا عن "الدين" إطلاقاً بدون أن نحدد عن أي دين بالذات نتحدث. ونحن نتحدث فيما بعد عن الاسلام على وجه التحديد. لا لأننا نعرف عنه ما يسمح لنا بالحديث فحسب، بل لأن للإسلام علاقة تاريخية بالواقع العربي الذي يشغلنا امر تغييره، وهي علاقة كان جهلها أو تجاهلها حاجزأ كثيفاً بين جماهير هذه الأمة المؤمنة وبين الذين يخاطبونها من واقع الغربة عنها أو الاستعلاء عليها. سنعرف من أمر تلك العلاقة الكثير ويكفي أن نعرف منها الان أن العرب قد طوروا مجتمعهم، ومجتمعات كثيرة، وبنوا حضارتهم وأسهموا في الحضارة الانسانية، وتحولوا هم من قبائل وشعوب مختلفة إلى أمة واحدة، خلال قرون من النضال الثوري بدأ واستمر وأنجز ما أنجز باسم الاسلام وتحت رايته.

والسؤال الذي لامهرب منه لأحد من الإجابة عليه هو: كيف أنجزوا ما أنجزوا قبل أن يعرف أحد تلك النظريات التي نزعم أن معرفتها لازمة لتطوير مجتمعنا العربي، وإننا لانستطيع ان نلتقي على غاية تطوره إلا إذا عرفناها ؟ ..
وفي الإجابة على هذا السؤال نجتهد فنقول:

14- المنهج الاسلامي
إن في الاسلام ذلك الجانب الميتافيزيقي الذي يتصل بمشكلة الالوهية. وفيه ذلك الجانب من أحكام التعامل بين الناس في شؤون دنياهم الذي يتصل بمشكلة النظرية . إذ النظرية هي التعبير الحديث عن المذهب كما نعرفه في التراث الفكري الاسلامي. وكلاهما لايدخلان في نطاق الحديث عن المنهج. إنما نحاول فيما يلي أن نعرف من الفكر الاسلامي منهج المسلمين في التطور الاجتماعي أو "منطق" التطور الاجتماعي في الفكر الاسلامي.

أولى مشكلات المنهج كما عرفنا هي "الحتمية". انضباط حركة الاشياء والظواهر بقوانين حتمية. ولنلاحظ من الآن أن تعبير "القوانين" كما نستعمله يساوي في دلالته تعبير "النواميس" أو تعبير "السنن" كما هي مستعملة في الفكر الاسلامي. وعليه فإن "الحتمية" في الاسلام لايمكن لمسلم أن ينكره ويبقى مسلماً. فقد اتخذ الاسلام من انضباط نظام الكون وثبات نواميسه حجة على الذين لايؤمنون. ودعا الناس إلى أن يتأملوا ما في الكون من آيات أوسنن لا تتبدل. "سنة الله في الذين خلوا ولن تجد لسنة الله تبديلا" (الاحزاب:62). "ولا تجد لسنتنا تبديلا" (الاسراء: 77). "أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج، والأرض مددناها والقينا فيها رواسي، وانبتنا فيها من كل زوج بهيج "(ق: 6، 7). "انظروا الى ثمره إذا أثمر وينعه" (الانعام: 99). "فالق الاصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً" (الانعام: 69). " قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً الى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون. قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً الى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون" (القصص: 71، 72). "وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من اعناب وزرع ونحيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل" (الرعد 4). "ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف السنتكم وألوانكم" (الروم: 22). "ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها، ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها، وغرابيب سود، ومن الناس والدواب والانعام مختلف ألوانه كذلك" ( فاطر: 27، 28). "إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين وفي خلقكم" (الجاثية: 43). "إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون "(البقرة: 164). "وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم" (الذاريات: 20، 21). "سنريهم آياتنا في الافاق وفي أنفسهم" (فصلت: 53). "كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون" (البقرة: 242) … الخ . وهكذا نجد أن جانباً كبيراً من آيات القرآن يكاد يكون مقصوراً على تعليم الناس ، بصيغ شتى، مدى ما في الكون من اتساق ونظام محكم. وهو يأخذ من هذا دليلاً على وجود الله وعلى وحدانيته أيضاً: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا" (الانبياء: 22).

وبعض كتّاب الفكر الاسلامي يرفضون النظريات التي قيلت في الحتمية لا لأنهم ينكرون انضباط حركة الاشياء والظواهر بقوانين حتمية أو نواميس لا تتبدل لأنهم ينكرون مصدر الحتمية كما تقرره تلك النظريات ليحتفظوا بإسناد الحتمية إلى الله باعتبارها آيته في خلق الكون. ولما كنا – هنا – لا نناقش هذا الجانب اللاهوتي من الفكر الاسلامي، كما إننا قد تخلينا من قبل عن مناقشة التبريرات الميتافيزيقية للحركة، فإننا نستطيع أن نترك لكل أن يسند الحتمية إلى المصدر الميتافيزيقي الذي "يؤمن" به، ثم نلتقي على أن المنهج الذي كان دليل المسلمين في التغيير الاجتماعي يتضمن قاعدة اولى هي أن ثمة قوانين أو نواميس أو سنناً تضبط حركة الاشياء والظواهر "حتماً" بمعنى أن فعاليتها لا تتبدل.

وفي نطاق هذا التسليم بالحتمية تصدى مفكروا الاسلام خلال القرون الأولى بعد الهجرة لاستكمال منهجهم في معارك فكرية بالغة الخصوبة والعنف أيضاً دارت حول المشكلة التي تشغلنا منذ بداية هذا الحديث: ما يبدو من تناقض بين حتمية قوانين التطور الاجتماعي وحرية الارادة الانسانية . وقد عرفت في تاريخ الفكر الاسلامي بمشكلة الجبر والاختيار وقسمت الفقهاء والفلاسفة والمتكلمين إلى مدارس عدة.

أما أنصار "الجبرية" فقد ألغوا حرية الارادة الانسانية واستندوا في هذا إلى العديد من آيات القرآن قالوا أنها تسند الإرادة والفعل كليهما إلى الله وتحيل الانسان أداة لا إرادة لها ولا خيار. "والله خلقكم وما تعملون" (الصافات: 96). "ان هو الا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله" (التكوير: 27، 28، 29)" إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ الى ربه سبيلا وما تشاءون إلا أن يشاء الله" (الانسان: 29) "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" (يونس: 99). "ختم الله على قلوبهم" (البقرة: 7) … الخ.

أما أنصار "القدرية" (قدرة الانسان على الفعل والاختيار) فمع تسليمهم بانضباط الوجود بسنن محكمة لا تتبدل أسندوا الإرادة والفعل إلى الإنسان واستشهدوا على هذا بعديد من آيات القرآن التي تضع الإنسان أمام مسئولية الاختيار بين أمرين أو أكثر وتحمّل كل إنسان مسئولية ما يختار ويفعل على أساس أن الحرية في الاختيار هي مناط المسئولية. "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (الكهف:29). "إنا خلقنا الانسان من نطفة امشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً. إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا" (الانسان: 2، 3). "ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين وهديناه النجدين" (البقرة: 7، Cool. "من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نوءته منها " ( الشورى:20). "اليوم تجزى كل نفس بما كسبت" (غافر:17). "كل امريء بما كسب رهين"( الطور:21). "لايكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت "(البقرة: 286). "ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون" (يس: 54).
وإزاء صراحة النصوص لايكون عسيراً أن نهتدي إلى الوضع الصحيح للمسألة : فهم حرية الارادة الانسانية في نطاق حتمية سني الله ونواميسه. فهم الخاص في نطاق العام، أو فهم الحرية في نطاق الضرورة كما يقول المحدثون. فكان الرأي هو أن المقدرة الالهية كما تجسدها سنن الوجود التي لا تتبدل هي الشرط الأول لمقدرة الناس على أن يختاروا وأن يفعلوا. والله على هذا الوجه هو خالق ما يفعلون. أما الناس، فوثوقاً منهم بثبات ذلك الشرط وعدم قابليته للتبديل، يختارون ما يفعلون على مسؤوليتهم عن الاختيار والفعل. وبقدر ما يلتزمون سنن الله بقدر ما يوفقون في تحقيق ما يريدون.

لوشئنا أن نصوغ هذا الرأي باللغة التي يجري بها هذا الحديث لقلنا: "(أن) الحتمية لازمة ليتصور الناس المستقبل الذي ينتظرهم" إذا" لم يتدخلوا في تغييره، وليغيروا شروط فعاليتها ليحققوا المستقبل الذي يريدون، أما أن يقع هذا المستقبل فعلاً أو لايقع فذلك متوقف على علمهم واحترامهم تلك القوانين أوالنواميس، وبقدر ما نعرف وما نحترم القوانين أو النواميس التي تضبط حركة الواقع نستطيع ان نغيّره وهو ما قلناه فعلاً من قبل، فإن كان قد قاله غيرنا من مفكري الغرب بعد أن اكتشفوه عن طريق البحث العلمي بدون اسناد إلى الدين، فلا يهم مصدر المعرفة، المهم أن هذي قاعدة ثانية من منهج المسلمين.
ثم تأتي المشكلة الثالثة التي عرفناها من الحديث عن تطور المنهج الجدلي وهي: في نطاق التأثير المتبادل بين الأشياء والظواهر ماهو العامل الأساسي في التطور ؟ …
إن "الجبرية" كما قال بها بعض المجتهدين في الفكر الاسلامي "تقابل" أو تقارب "المثالية" عند هيجل، وباستبعاد "الجبرية" لايمكن ان تنسب المثالية إلى المنهج الاسلامي. وهو أمر لايفطن إليه الذين يساوون بين الأديان في المثالية. غير أنه إذا كان المنهج ليس مثالياً فهو قاطع في رفض المادية. والمقولة التي تزعم أن المادة، أو الطبيعة، أو أدوات الانتاج المادية، هي "العامل الأساسي" في حركة التطور الاجتماعي مقولة مناقضة للمنهج الاسلامي ذلك لأن الفكر الاسلامي مستقر منذ البداية، وحتى الآن، على أنه في نطاق التأثير المتبادل بين الإنسان والطبيعة المادية يكون الإنسان هو الفاعل الصانع المغيّر "المطوّر" .. وتكون الطبيعة المادية موضوع فعله. ويستعمل القرآن تعبير "السخرة" للدلالة على هذه العلاقة. وهو تعبير قوي الدلالة على أن الانسان هو صانع واقعه المادي والقادر المسؤول عن تغييره. "ألم ترى أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره" ( الحج: 65). "هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً" ( الملك: 15). "وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الانهار" (ابراهيم: 32). "وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار" (ابراهيم: 33). "وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلياً تلبسونها" (النحل: 14). "وسخر لكم ما في السموات و ما في الأرض جميعاً" (الجاثية: 13) … الخ . ويقطع القرآن في ان شيئاً من الواقع لن يتغير إلا إذا تغير الناس . "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم" (الرعد: 11). "وما كان ربك ليهلك القرى بظلم واهلها مصلحون" (هود: 117). ومن هنا ذلك الاهتمام الفذ الذي يوليه القرآن للإنسان في آيات آمرة، ناهية، مرشدة، مذكرة، محذرة، تستهدف جميعاً تقويم الإنسان ليكون "صالحاً" لدور القائد لحركة التطور الاجتماعي على الأرض التي "استخلف فيها".

ذلك هو المنهج الاسلامي ويمكن تلخيصه في ثلاث قواعد:
أولاهما: إن كل الأشياء والظواهر منضبطة حركتها بقوانين أو نواميس حتمية.
ثانيهما: في نطاق هذه الحتمية يكون الانسان حراً في تغيير واقعه.
ثالثهما: الانسان وحده هو القادر على التغيير والمسؤول عنه
.
في هذه القاعدة الثالثة يتجاوز المنهج الاسلامي المنهج الليبرالي الذي عرفنا أنه يكف الناس عن التدخل في حركة التطور الاجتماعي اتكالاً على غائية ميتافيزيقية ينسبها إلى ما أسماه القانون الطبيعي. وفي الفكر الليبرالي أقوال كثيرة في أن القانون الطبيعي هو إرادة الله. أياً ما كان من تفسير لتلك الغائية فقد عرفنا أن المنهج الليبرالي يمثل جبرية اجتماعية لا مفر منها لأنها جبرية طبيعية (فقرة 6). والجبرية غريبة على المنهج الاسلامي.

المهم أنه على هدي هذا المنهج المتميز أساساً بكشفه وتأكيده دور الانسان في تطوير الواقع، وانفراده وحده بهذا الدور، ومسؤوليته عنه، استطاعت قلة من المسلمين أن يبدأوا واحدة من أعمق الثورات الاجتماعية أثراً في تاريخ البشرية. واستطاعت شعوب بكاملها أن تنتقل من بداوة الجاهلية الأولى إلى بناء حياة حضارية كانت في ظروفها التاريخية تفوقاً فذاً. وخلال قرون طويلة من الممارسة استقر المنهج في وعي الناس فأصبح " قيمة " تضبط مواقفهم بدون حاجة إلى إسناد ديني، ومنه استمدت الحضارات التي قامت في ظل الاسلام ذلك الطابع الانساني المميز الذي لايخطىء الباحثون الاهتداء إليه. ومنه نعرف كيف كانت تلك "القيمة" مشتركة بين أناس صنعوا تاريخهم الحضاري معاً مع انهم ليسوا جميعاً مسلمين. التقوا في ممارسة الحياة على صحة المنهج الانساني فكانوا شركاء فيما أنجز على هديه بدون أن يؤثر في هذا اللقاء، أو المشاركة، اختلافهم في مصادر معرفته.

ونتعلم من ذلك التاريخ الغني أنه بالاضافة الى تحرر الانسان لا بد من تصديه ايجابياً لتغيير الواقع حتى يتغير. وإنه أياً كان الواقع فإنه قادر على تغييره ومسؤول عنه. ونتعلم ذلك الدرس العظيم: كيف استطاعت قلة قليلة من المسلمين أن يبعثوا من قلب الصحراء القاحلة نذراً الى عتاة المستبدين في الأرض، ملوكاً وأباطرة، أن "أسلموا تسلموا". وبكل مقياس سوى ثقة الانسان الذي يعرف غايته ويحمل مسؤولية تحقيقها، كانت تبدو تلك النذر مثالية. غير ان التاريخ لا يلبث حتى يثبت مقدرة الانسان على تحقيق غايته بالرغم من كل الظروف التي كانت تبدو حائلاً دونه وما يريد. فيخضع المستبدون كرهاً للنذر التي ظنوا انها خيالية.

15- لماذا فشلوا ؟
لماذا فشل المسلمون – اذن – في مواصلة تقدمهم الاجتماعي ؟

نصحح السؤال أولاً لأن صيغته غير صحيحة.
إذ أن الحديث عن الفشل يبدو حديثاً مجرداً من ظروفه التاريخية. فإلى نهاية القرن السادس عشر كانت المجتمعات التي دخلها الاسلام أكثر تقدماً من أي مجتمع آخر. أو على الأقل لم تكن أكثر تخلفاً من غيرها من المجتمعات المعاصرة. فقبل ذلك التاريخ – مثلاً – كانت الحروب الصليبية في بواعثها وفي قواها وفي نظمها وفي أهدافها محكاً للتمايز الحضاري، ولا نقول العسكري، بين المعتدين والمدافعين. وكانت تبدو موجة بربرية تحاول اجتياح مجتمع متحضر، كما اجتاحته موجة غيرها شنها المغول البرابرة. وليس من المنكور أن تلك الحروب الصليبية كانت وساطة، أو إحدى وسائط، انتقال الحضارة من العرب الى أوروبا. وهذا لاينفي أنه لم تمض بضعة قرون حتى عادت القوى الأوروبية ففرضت سيطرتها على العالم مسلمين وغير مسلمين. ونحن نعرف أن تلك موجة رأسمالية. ومع ذلك لا نريد أن نحاكمها بما لم نعرفه إلا بعد أكثر من قرن من أنها كانت من أشد الموجات التي اجتاحت العالم عداوة للانسان. فقد استعبدت العالم بجيوش من عبيد الرأسماليين بل نقول انها في نشأتها الأولى كانت ثمرة تقدم علمي لا شك فيه. ولا شك في أن التقدم العلمي تقدم حضاري. هنا بدأ التخلف وهنا فقط يصح طرح السؤال عن الفشل على ان تكون صيغته:
لماذا فشل المسلمون في الدفاع عن مجتمعاتهم ؟

في حدود هذا الحديث عن المنهج نقول لم يفشل المسلمون. إن الذين فشلوا لم يفشلوا لأنهم مسلمون بل لأنهم لم يوفوا بمسؤوليات ترك لهم الاسلام مسؤولية الوفاء بها. ذلك لأن الاسلام وضع بين أيديهم أسس المنهج وترك لهم استكماله واستعماله.
علمهم أن ثمة قوانين أو نواميس تضبط حركة الاشياء والظواهر حتماً وترك لهم أمر اكتشافها ومعرفة شروط فعاليتها واستخدامها.
وعلمهم أن كل ما في الأرض والسماء مسخر لهم وترك لهم أمر اكتشاف عناصر الأرض والسماء وقواها ومعرفة كيفية تسخيرها لإرادتهم.
وعلمهم أنهم قادرون ومسؤولون عن تطوير واقعهم على ما يريدون وترك لهم إكتشاف مشكلات واقعهم وإمكانيات تغييره وغاية هذا التغيير.
كل هذا لأن الاسلام – كما هو – دين يخاطب الناس كافة، في كل مكان وفي كل زمان. نقول الاسلام "كما هو" لأننا لا نستطيع، وما ينبغي لنا، أن نفهم الاسلام أو أن نحاول فهمه إلا كما هو مطروح في كتابه. وهو مطروح في كتابه على أنه خطاب إلى الناس كافة، في كل زمان وفي كل مكان. وما كان الاسلام ليكون على هذا الوجه الانساني الشامل، بغير قيود من المكان أو الزمان ، لو لم يترك للناس في كل مكان وفي كل زمان أن يتأملوا ويتعلموا ويكتشفوا ويعملوا ويغيروا وفاء منهم بمسؤوليات عن التطور الاجتماعي طبقاً لواقعهم وظروفه التاريخية.

وهكذا، إذا كنا قد قلنا أن ما يسبق المنهج من مقولات ميتافيزيقية لا يؤثر في صحته إن كان صحيحاً علمياً، فإن ما يلي المنهج من أحكام في منطلقات وغايات وأساليب التطور الاجتماعي متروك للاجتهاد. نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، أما ما هو المعروف وما هو المنكر فعلينا أن نكتشفه في واقعنا فنعرفه أو ننكره. وقد بدأ الاجتهاد مع بداية الاسلام. وكان النبي يجتهد فيما لم يأت به نص وكان يخطيء أحياناً في اجتهاده فيعتذر لأصحابه بأنهم أدرى بأمور دنياهم. ومن بعده اجتهد المسلمون في أمور دنياهم وصاغوا اجتهاداتهم في آراء وأفكار ومذاهب عديدة ومختلفة ومتصارعة في كثير من الأوقات. وكل اجتهاد ينسب الى صاحبه ولو أسماه مذهباً اسلامياً. وصحته انه مذهب (نظرية) في الفكر الاسلامي. ويتحملون مسؤولية ما في المذاهب من قصور ولهم فضل ما فيها من توفيق. وهي مذاهب لا شاملة في المكان ولا عامة في الزمان ولم تفلت من قانون التطور الحتمي. فاختلفت من مكان الى مكان ومن زمان الى زمان في المكان الواحد. كذلك فعل الامام الشافعي فغير في مذهبه عندما انتقل من العراق الى مصر. ومن قبله أوقف عمر نفاذ نص في القرآن (المؤلفة قلوبهم) في ظرف تاريخي لم يكن مسبوقاً في حياة المسلمين. ومن هنا لا يمكن فهم تلك الاجتهادات والمذاهب بعيدة عن ظروفها التاريخية الراهنة إلا ان تكون دعوة الى نظرية (مذهب) محددة اجتهد اصحابها فجاءت موفية بمسؤوليتهم كمسلمين عن بيان منطلقات وغايات واساليب التطور الاجتماعي كما يتطلبها واقع مجتمعاتهم. وهو اجتهاد يحتاج الى عناء فيهرب منه الكثيرون.

أياً ما كان الأمر فالاختلاف في الاجتهاد وتعدد المذاهب (النظريات) في الفكر الاسلامي لم يكن خروجاً على المنهج أو مساساً بوحدته. لأن ما يتحقق في كل واقع على حدة هو حصيلة معالجة ذلك الواقع على ضوء المنهج. فإن اختلف الواقع اختلفت الحصيلة – الفكرية او العلمية – بالرغم من وحدة المنهج . ولما كان الاسلام لم يلبث أن امتد الى مجتمعات مختلفة في واقعها ومدى تطورها فإن حصيلة التطور الاجتماعي كانت مذاهب مختلفة وممارسة مختلفة ايضاً. فلم يكن هناك مجتمع اسلامي واحد حتى نستطيع أن نقول أن المسلمين عامة فشلوا بما يتضمنه هذا من ايحاء بانهم فشلوا لأنهم مسلمون.

وقد نجح المسلمون في تطوير حياتهم الاجتماعية، أينما كانوا، طوال الفترة التي كانوا فيها محتفظين بحريتهم في اكتشاف قوانين الطبيعة وقوانين التطور الاجتماعي. يوم أن كان العلم عبادة والاجتهاد مثوباً ولو كان خاطئاً. وعندما فقدوا حريتهم توقفوا عن التقدم بمعدل السرعة التي كانوا قد بدأوا بها مسيرتهم الحضارية فسبقهم غيرهم. وقد فقدوها في – مجتمعنا – يوم أن تستر الاستبداد بالخلافة وأصبح للأحاديث الموضوعة وللإجماع المصطنع وللقياس الخاطىء وللمذاهب الخاصة قدسية النص القرآني. وأطلقت الأحكام من حدودها في الزمان والمكان، وتحولت دولة المسلمين إلى دولة كهانة يحكمها الخلفاء ورجال الدين بدلاً من العلماء والفلاسفة والمفكرين والباحثين. فتجمدت المذاهب في الشريعة على مضامين كسبتها في مراحل تاريخية سابقة، فأصبحت قاصرة عن أن توفي بالحلول الصحيحة لمشكلات الحياة في مراحل تالية. فقام جمودها عائقاً في سبيل التطور. وهكذا كان قد قفل باب الاجتهاد، استبداداً، عائقاً دون تقدم المجتمعات الاسلامية، وليس قفل باب الاجتهاد من الاسلام في شيء بل هو يناقض منهجه.

فلما جاءت المرحلة التاريخية الحاسمة، واصطدمت دولة الخلافة الاسلامية بدول حررتها الليبرالية من قيود الكهانة الكنسية واستبداد امراء الاقطاع انهزمت وتفككت. وبذلك فقدت الشعوب حريتها جملة وستبقى فاقدتها طويلاً لأنها كانت قد فقدت حرية البحث العلمي والفكري وتخلت عن المنهج الاسلامي في مواجهة مشكلات التطور الاجتماعي. المنهج المتميز أساساً بكشفه وتأكيده دور الانسان في تطوير الواقع وانفراده وحده بهذا الدور ومسئوليته عنه. ومرة اخرى تثبت الممارسة أن الانسان هو قائد حركة التطور الاجتماعي وإنه يوم أن يفقد حريته فتشل مقدرته لا يتطور واقعه تطوراً صاعداً حتى لو تغير.

هكذا نعرف أننا لم نفقد حريتنا يوم أن بعدنا عن تراثنا، وإنما بعدنا عن تراثنا يوم أن فقدنا حريتنا. ويكون التحرر هو البداية. واول قيد نكسره هو الخوف من ان نتأمل ونتعلم ونكتشف ونعمل ونغير. وما يعنينا اكتشافه، في هذا الحديث، هي قوانين التطور الاجتماعي التي لا بد من معرفتها حتى نعرف كيف نغير واقعنا العربي.


يتبع


http://www.alfikralarabi.org/modules.php?name=News&file=article&sid=390

القادسية

المساهمات : 329
تاريخ التسجيل : 07/04/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى