بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
نوفمبر 2017
الأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبت
   1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930  

اليومية اليومية


ملاحظات منهجية في قراءة «السلفية الجهادية»...د. أكرم حجازي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ملاحظات منهجية في قراءة «السلفية الجهادية»...د. أكرم حجازي

مُساهمة من طرف القادسية في الجمعة أكتوبر 01, 2010 11:28 pm

ملاحظات منهجية في قراءة «السلفية الجهادية»
(دراسة مقدمة إلى مركز الجزيرة للدراسات)
لم تنشر
د. أكرم حجازي
6/3/2010

المحتويات

مقدمة
أولا: عذرية الظاهرة ومنطق الأطروحة
ثانيا: النشأة العقدية للظاهرة
ثالثا: عوائق البحث
رابعا: تداعيات منهجية
سؤال
قائمة المصادر والمراجع

مقدمة


لا شك أن ضربة 11 سبتمبر وحربي العراق وأفغانستان، وما أعقبهما من بروز لظاهرة الجماعات الجهادية في إطار ما اشتهر بتيار « السلفية الجهادية»، مثّل فرصة ثمينة جدا لفهم الظاهرة، ولا شك أيضا أن ما يوصف بالإعلام الجهادي الإلكتروني، وعبر عشرات الشبكات ذات الصلة، قد وضع النقاط على الكثير من الحروف أمام الباحثين والدارسين للاطلاع على حقيقة الخطاب السلفي الجهادي ليس من خلال ما يقدمه الرموز فقط بل، وهو الأهم، من خلال رؤية الرواد والكتاب والعلماء وطلبة العلم والمنظرين وما يطرحونه من مواقف ورؤى وفتاوى وتأصيلات شرعية لقضايا سياسية ودينية طالما مثلت موضع خلاف حتى بين العلماء. وأكثر من ذلك أن هذه الأطروحات، الواقعة في إطار حرب الأفكار، والدائرة في ساحات المنتديات، بين مختلف التيارات الإسلامية، الجهادية وغير الجهادية، كشفت عن بعض مكنونات الظاهرة وكيفية التصدي لها بالبحث. لكن، يبقى الإشكال الرئيس أمام الباحث في استعداده للاضطلاع بمهمة عسيرة للغاية، وفي قدرته على الاستمرار في متابعة مرهقة للظاهرة خاصة فيما تصدره الشبكات أو ما يدور في رحى منتدياتها من حوارات ساخنة وتعبيرات عن مواقف تمثل، ولا ريب، رصيدا معرفيا خاما وهائلا باشتماله على أدق التفاصيل ومختلف التوجهات، ولعل معاينة لبعض كبريات المسائل التي تطرحها السلفية الجهادية لا ينبغي، منهجيا، أن يخرج عن هذه الساحات الحوارية. لكن السؤال: ما هي السمات المميزة للأطروحة السلفية الجهادية؟ وكيف وقع تناولها، منهجيا، من قبل الدارسين؟

أولا: عذرية الظاهرة ومنطق الأطروحة

خلافا لما هو شائع، فإننا نقرّ مسبقا أننا لسنا بصدد ظاهرة تقليدية مألوفة بحيث يمكن قراءتها بالقياس على ما سبقها من ظواهر تبدو للوهلة الأولى ذات مواصفات مماثلة، ولعل في هذا بعض العزاء للباحثين الذين عزفت غالبيتهم الساحقة عن محاولة الفهم، فلا الغربيون المعاصرون ولا العرب ولا المسلمون في شتى أنحاء العالم ولا غيرهم أيضا عاشوا مثيلا لها. فما الذي يمكن أن يفهمه عالَم اليوم، وليس الأمس، بمسلميه ونصاراه وبوذييه وهندوسييه وملحديه من أطروحات السلفية الجهادية عن قضية « التوحيد»، مثلا، أو « الراية» أو « الحاكمية» أو «الجهاد» أو « الولاء والبراء» أو « الاعتقاد» أو « الدين» أو « سايكس- بيكو» أو « الوطن» أو « الأيديولوجيا»، شرقيها وغربيها، بينما هو غارق حتى ناصيته في قيم الحداثة والعولمة ولغة السوق وسط ثورات تكنولوجية ورقمية لا سابق لها؟ وكيف يمكن لهذا العالَم أن يفهم الزمن بصيغته الأزلية (الثابت) أو يتوقف عنده قليلا وهو يعيشه بمقتضى الدقيقة والثانية في الواقع (المتغير)؟

بالتأكيد هذه الأطروحات التي ترى في العالَم وكأنه يعيش في « جاهلية» مسلحة بأحدث نظم العلم والمعرفة والتكنولوجيا ليست موضع ترحيب، ولا هي تتمتع بالكثير من المصداقية حتى عند المسلمين من أقران السلفية الجهادية، زيادة على أنها منبوذة. فهي بنظر البعض « مستحيلة التحقق»، و « متطرفة» عند البعض الآخر، و « خارجية» عند ثالث، و « باعثة على الفتن» عند رابع، وسبب رئيس في « تشويه الإسلام» عند خامس، و « مشبوهة» عند سادس و « ضالة» عند سابع و « مجنونة» عند ثامن و « إرهابية» عند تاسع ... وهكذا في سلسلة لا تنتهي من التوصيفات المضادة. ولكن هذه التوصيفات لا تختلف كثيرا، بالنسبة للسلفية، عما واجهه محمد بن عبد الوهاب ومن بعده أئمة الدعوة النجدية حين جهروا في دعوتهم إلى تصحيح « التوحيد»، بل أنها لا تختلف عما واجهه الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه في أعقاب حادثة الإسراء والمعراج، فمن صدق حينذاك، غير « قلّة» في مقدمتها الصحابي الجليل أبو بكر، بأن ما وقع كان حقيقة؟ وما الذي يجبر أحدا على أن يصدق أن ما تفعله السلفية اليوم منطقي؟ أو مشروع؟ أو ممكن التحقق؟

هكذا هي عذرية الظاهرة تتسبب دوما، ودون رحمة، بإلقاء المزيد من التساؤلات الغزيرة والمثيرة عن هوية السلفية الجهادية ونشأتها وماهية أطروحاتها؟ ومن يصنع القيادة فيها؟ وبأية شروط؟ ووفق أية آليات؟ ولماذا تحتاج الأمة إلى قيادة؟ وراية؟ ولماذا ترفض السلفية تسليم القيادة لأية جماعة أخرى؟ وما علاقة سايكس - بيكو بنوعية القيادة؟ وما هي مصادر قوتها وجاذبية خطابها؟ وإلى أي مدى يمكن أن يصل فكرها وتفكيرها؟ وأين سيحط رحاله؟ أما لماذا هذا العناء؟ فلأن الظاهرة لم يجر توصيفها، بالدقة المأمولة، حتى الآن، ولما يكون الأمر كذلك فهل بمقدورنا، كباحثين، تحليلها؟ ناهيك عن نقدها؟

الأكيد أن التساؤلات كثيرة وكبيرة، أما الإجابات فقليلة إن لم تكن نادرة أو خاوية إنْ وجدت، والأسوأ أن السلفية الجهادية ذاتها ما زالت تقدم خطابا بلغتها هي لا بلغة العصر ولا بلغة العامة، وخطابا، إذا ما قسناه بلغة العلم، فهو أقرب إلى خطاب النخبة منه إلى خطاب العامة من الناس بمن فيهم المثقفين. فإذا نادت السلفية، مثلا، بـ « محاربة الطاغوت» أسقطته الغالبية حصرا على الحاكم وحده، وعدّه آخرون خروجا على الإمام أو ولي الأمر، وإذا نادت بـ « التوحيد» اتهمت بـ « التكفير»، وإذا دعت إلى محاربة « سايكس – بيكو» رأت فيه العامة والخاصة فتنة ورجعية وخروجا عن التحديث وسنن التغيير، وإذا ربحت معركة وصفوها بـ « الإرهاب» وإذا خسرتها حملوها المسؤولية.

ومع كل هذه التناقضات تستمر السلفية الجهادية كظاهرة في تحديها دون أن تلتفت كثيرا لما ينتظرها، وكأنها باتت تؤمن بأنها المسؤولة الوحيدة عن حماية « التوحيد» في زمن غدا فيه « الإيمان والكفر والشرك والردة» مسائل، على الأقل، ملتبسة تتطلب حوارا دوليا بين الأديان لإعادة تعريفها والتفاهم حول ماهياتها. هكذا هي، وبصورة تبعث على الدهشة فعلا حيثما وجدت، في أفغانستان والعراق ولبنان والشيشان والصومال وباكستان ... ، فما من جماعة جهادية أو حركة تحرر سابقة عليها اشتغلت بنفس الطرق والأدوات ماضيا وحاضرا، ولعلنا كنا نسمع ونراقب على الدوام، ولمّا نزلْ، عن محاولات سياسية من جماعات جهادية ووطنية تبدي استعدادها للمفاوضات ولو بشروط بينما لم نقع على أية مبادرات من هذا النوع من قبل السلفية الجهادية، اللهم تلك التي لا تخلو من لغة الإهانة للقوى الغازية وبشروط عسكرية صرفة أو شرعية وكأنها في عز وتمكين ما بعده تمكين.

في ختام ندوة عن السلفية الجهادية عقدها المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية في العاصمة الأردنية (عمان) قلنا فيها بأن السلفية الجهادية، شئنا أم أبينا، باتت فاعلا استراتيجيا على المستوى الدولي ؛ تَقدّم مني أحد العاملين في القسم السياسي في السفارة البريطانية مستوضحا عن القول؟ ولافتا انتباهي إلى أنهم (مقاتلي السلفية) مجرد « قلّة»، ومتسائلا: كيف يكونوا فاعلا استراتيجيا؟ فقلت له: هم كذلك، وأنتم حقيقة في ورطة، لأنكم تتعاملون مع الآخرين بمقتضى العقل الوضعي والآلة التكنولوجية وتتناسون أن هؤلاء يتعاملون معكم بمقتضى الشريعة، ويستخرجون خبراتهم ومهاراتهم العسكرية والأمنية وتوجهاتهم السياسية والأيديولوجية من صميم العقيدة الإسلامية والسنة النبوية والتراث الإسلامي وليس من الكليات العسكرية، وبالتالي فمن الطبيعي أن يقاتلونكم، بداية، بوصفهم « قلّة» لا بوصفهم جيوشا جرارة، وإلا فقل لي: من ضربكم في مدريد ولندن وبالي؟ وكم عدد الذين هدموا أبراج مانهاتن؟ ومن يقاتلكم في العراق وأفغانستان والشيشان والصومال؟ ومن يضرب البنى التحتية في الجزيرة العربية؟ ثم هل تعتقد أن كُتابنا ومحللينا وكُتابكم ومحلليكم سيفهمون السلفية ويدركونها عبر ثقافتكم وتقنياتكم المنهجية وأنتم تتعاملون معهم فقط كإرهابيين؟ وكأن المقاربة الأمنية أو العسكرية هي الكفيلة بحل الإشكال؟ ألا تدركون بعدْ أن هذه « القلّة» تتحصن في العقيدة كمرجعية توجه كافة اختياراتها وترسم بواسطتها كل استراتيجياتها؟ وأنكم إنْ استطعتم اصطياد بعضهم عسكريا فلن تستطيعوا كسر ما يعتقدون به؟

الحقيقة أنني شعرت وكأن الرجل فوجئ بإجابتي، رغم أنني لست متأكدا أنه فهم أن « القلّة»، مثلا، في عقل هؤلاء، هي فعلا مفهوم شرعي واسع النطاق وليست مفهوما أمنيا يمكن رده إلى تعبيرات محدودة من نوع « حرب العصابات» أو « الخلايا النائمة» حتى لو تقاطعت معه في الشكل وبعض المضمون. ولو أخذنا نماذج أخرى للتحليل سنصل تقريبا إلى نفس النتائج. فالسلفية مثلا، وهي تسعى لِأنْ تجعل من تحقيق « التوحيد» واقعا غايتها النهائية، لا يمكن لها أن تقيم وزنا يذكر لمعيار « ميزان القوى» في الصراع مع الآخر العدو، ولا يمكن أن تحسب حسابا لما تسميه مثلا الجماعة الإسلامية في مصر بـ « الهدف المستحيل» . ولو كان الأمر يتعلق بتطبيقات عقلانية لَمَا نفذت القاعدة هجمات 11 سبتمبر على أهداف من المفترض أنها مستحيلة حتى على أعتى القوى الدولية، ولَمَا حارب الخليفة الراشد أبو بكر الصديق المرتدين وأنفذ بعث أسامة، وهو الأرق قلبا والأشد عاطفة، في الوقت الذي أصابت فيه الفتنة كبار الصحابة واجتاحت الردة الجزيرة العربية حتى لم يتبق منها سوى المدينة ومكة.

نفس الأمر ينطبق على مفاهيم « المقاومة» و « الجهاد» حيث المدخلات الشرعية لكل منهما تختلف عن الآخر، وكذا هو الحال بالضبط بالنسبة للمخرجات. ويمكن ملاحظة الأمر ذاته، أيضا، فيما يتعلق بالموقف من الأيديولوجيات والعقائد الوضعية وهي تتحدث مثلا عن «الوحدة العربية» أو « الوحدة الإسلامية» أو الوحدة الوطنية» كمصطلحات تعمل في نطاق منظومة « سايكس – بيكو» التي صممت أصلا لتعمل بموجب ميكانزمات التفكيك وليس التجميع أو التفريق وليس التوحيد، في حين أن الإسلام يستعمل بدلا من ذلك مفهوم « الاعتصام» الشرعي مرشدا وموجها لجماعة المسلمين. ولأن مدخلات مثل هذه المنظومة الاستعمارية التي تحولت مع الوقت إلى منظومة ثقافية لا يمكن لها أن تنتج مخرجاتها أي شكل من أشكال الوحدة نجد السلفية ترفع شعار « الدم الدم والهدم الهدم» لكل الأبنية القائمة بوصفها نماذج غير شرعية، فضلا عن أنها لا تصلح البتة كأدوات عمل لا للتوحد ولا للتفاهم ولا للتقاسم الوظيفي بين القوى الإسلامية أو بين هذه والقوى العلمانية .

إذن لما يكون الصراع مع « طواغيت العرب والعجم» بالمنظور السلفي الجهادي محملا بهذا المنطق من الفهم المغاير لكل ما سبقه، والذي يسعى إلى « الهدم» محليا ونقل المعركة من الهامش إلى المركز بعقلية « اليوم نغزوهم ولا يغزوننا»، وعلى أساس الموقف العقدي بحسب تعبير أسامة بن لادن: « لسنا جامدين ... سندور حيث تدور العقيدة» ؛ فالمعنى أن الوجهة المنهجية في قراءة الظاهرة يشوبها قصور بالغ إن لم تكن أخطاء قاتلة لن تفضي لأية نتائج.

ثانيا: النشأة العقدية للظاهرة

بداية لا بد من القول الفصل بأننا لسنا معنيين مطلقا ولا مضطرين لِأنْ نقبل أو نرفض أطروحة السلفية الجهادية، لكن منطق الأطروحة يفرض علينا التحدث بلغتها، وهو اختيار منهجي باعتباره وسيلة ناجعة تمكننا من الوقوف على المقاصد أو إدراك المعاني التي قد تساهم في فهم الظاهرة وتفسير خطاباتها والنظر في استراتيجياتها وسياساتها بالمضمون الذي هي تعتقد به وتسعى إلى التعبير عن نفسها من خلاله ، فلعلنا بذلك نفهم بعض ما تشي به من مضامين ما زالت خبيئة أو أنها عصية على الفهم خاصة وأنها تُطرَح بلغة العلم الشرعي فيما الغالبية الساحقة من الأمة بعيدة عن العلم بعقيدتها أو فهم مراميها، ولأن لغة العلم الشرعي صعبة حتى على كبار العلماء والفقهاء فلنتحدث إذن بلغة ميسرة قريبة من الأفهام، مع التأكيد على أننا لا نرى غضاضة في استخدام أدوات تحليل من شأنها أن تساعد في فهم الظاهرة بشرط عدم المس بجواهر المسائل المطروحة أو إحداث أي خدش يقلل من قيمة التوصيف.

هذا الاختيار المنهجي حاسم بالمقارنة مع ما يمكن وصفه بـ «الزلل المنهجي» لمن يلجؤون إلى قراءة الأطروحة السلفية اعتمادا على المقاربات الإعلامية أو الأيديولوجية أو الأمنية أو السياسية أو القانونية أو حتى التنظيمية أو الأماني والرغبات، ذلك أن السلفية تيار متشعب ومعقد لكنه ليس تنظيما ولا حزبا حتى وإن بدت أدواته الضاربة للعيان كذلك في مواضع شتى، فهو تيار عقدي يضم رموزا وقادة وعلماء وأنصارا ومجاهدين، لا فواصل بينهم ولا امتيازات ولا مغريات ولا هوى من أي نوع كان. وكل هؤلاء ومن يدور في فلكهم ينطقون بلغة واحدة هي لغة « التوحيد» التي يقدمون أنفسهم بها أينما كانوا دون أن يعني ذلك عصمتهم من الوقوع بأخطاء قاتلة وتأويلات غير شرعية.

هذا المفهوم، « التوحيد»، قد يكون مألوفا تداوله والدفاع عنه بين الجماعات والفِرَق الإسلامية كافة على اختلاف عقائدها ومناهجها وصولا إلى الأحزاب العلمانية التي لا تنكره فضلا عن العامة من الناس. وبالتالي يبدو عصيا على الفهم، وربما استفزازيا، خاصة وأن السلفية الجهادية تظهر كمن يحتكر الوصاية على المفهوم بينما هو في الحقيقة من أصول الإيمان لدى كافة المسلمين. لكن حين يجري استعمال المفهوم لفحص عقائد ومناهج الجماعات والفرق الإسلامية سنجد فوارق كبرى تتراوح ما بين « التوحيد البراغماتي»، الذي لا يضيره التصالح مع أعداء الملة وحتى التحالف معهم إلى إذا لزم الأمر، و « التوحيد القبوري» الذي يصل إلى حدود الشرك كما هو الحال، مثلا، مع أغلب الفرق الصوفية. وسعيا منها لإبعاد « التوحيد» عن أية شوائب تعكر صفوه ونقاءه تلجأ السلفية إلى الاستعانة بمعيار « الولاء والبراء» لِنظْمه والتأكيد على أنه وحدة واحدة لا يقبل القسمة على غيره من العقائد والمذاهب الوضعية والأيديولوجيات، ولا يقبل النسبة والتناسب ولا يقبل التكامل في العمل ولا في آليات العمل ولا حتى في تقاطع المصالح معها ولا مشاركتها في الأهداف. وهو بهذا المعنى يختزل إجمالي التيار ويكشف عن هويته وطبيعة مواقفه وأطروحاته وعلاقاته البينية والخارجية، وحتى عن تاريخية نشأته.

على هذه الأرضية وانطلاقا منها؛ ليس غريبا أن يبدو التيار في واد وكافة البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الراهنة ... في واد آخر ابتداء من الأعداء العقديين مرورا بالدول والجماعات والأحزاب والمنظمات وانتهاء بالنظم والشرائع والفلسفات القديمة والحديثة. وعلى هذه الأرضية أيضا؛ وانطلاقا منها، نشأت القاعدة كأطروحة عقدية. فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار بنية النظام الدولي القائم وتقسيماته السياسية وعلاقاته ومؤسساته وقوانينه ونظم الاجتماع السياسي فيه؛ فلعله من الجدير بالذكر ملاحظة أن القاعدة كأحد الأدوات الضاربة، بخلاف الجماعات والأحزاب الوطنية، هي جزء من تيار لا يمكن نسبة نشأته إلى أية أطر سياسية أو أيديولوجية أو جغرافية أو حتى ديمغرافية . وهذا يعني أن هوية التيار ونشأته تقع، حكما، في منطقة عقدية وليس سياسية ولا أيديولوجية، وهو ما تؤكده نشأة القاعدة ذاتها في أفغانستان وأغلب جماعات التيار المسلحة خاصة في العراق والصومال وحتى في الجزائر.

إذ خلافا لما هو شائع؛ فـ « القاعدة» نشأت منذ اللحظات الأولى لتأسيس بيت الأنصار بوصفها مؤسسة خدماتية ذات « سجل إداري» يُعنى بأحوال المتطوعين العرب وليس كتنظيم أو حزب أو حركة سياسية محلية ذات أيديولوجية وهيكلية تقليدية، ولم تقدم نفسها كذلك لا قبل مرحلة الجهاد الأفغاني الأول ولا في ظل حكم حركة « طالبان» الذي ابتدأ فعليا من العام 1996. وبعد انتهاء المرحلة الأولى لم يتبق من « السجل» الذي اشتمل على بيانات بآلاف المتطوعين سوى بضعة مئات التحقوا ببن لادن في السودان، هم من المريدين أو المقربين أو الأنصار. بل أن « القاعدة»، كتسمية، لم تظهر قط في أية وثيقة رسمية قبل تأسيس « الجبهة الإسلامية العالمية لمقاتلة اليهود والصليبيين سنة 1998»، وإلى جانب « جماعة الجهاد» المصرية وليس بصفة منفردة. وكان من المفترض أن يكون الإعلان عن ميلاد « الجبهة» بمثابة العنوان الرئيس للتيار الجديد، لكنها سقطت ولم يصدر عنها أية بيانات لاحقة في حين ثبتت القاعدة. ويبدو أن الإعلام الدولي وأجهزة الأمن العالمية تقبلوا مصطلح « القاعدة» كتنظيم حتى قبل تأسيس « الجبهة» لكنهم وإنْ تقبلوه كأطروحة عقدية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 إلا أنهم لم يدركوا، بعدْ، جواهر الأطروحة إلا بوصفها « أيديولوجية إرهابية متطرفة» .

لو تتبعنا الأمر في العراق سنقع على نشأة مماثلة لم يكن التنظيم فيها، بحد ذاته، هدفا. فـ « جماعة التوحيد والجهاد» خاضت قتالا مريرا ضد الأمريكيين والقوى الحليفة لها في العراق قبل أن تتخذ لها اسمها أو تفكر حتى بإصدار بيان يتبنى ما تقوم به من عمليات، أما أبو مصعب الزرقاوي فلم يكن، آنذاك، ليفكر بتأسيس جماعة أو قيادتها قبل أن ينضم أبو أنس الشامي إليه ويصر لاحقا على ضرورة وجود هوية وقيادة لمن يقاتلون معه خاصة بعد أن تبنت جهات عديدة المسؤولية عن عمليات قام بها مقاتلوه . أما « حركة الشباب المجاهدين» في الصومال فكانت مندمجة في إطار « المحاكم الإسلامية»، وقبل ذلك لم تتخذ لها اسما، ولم يعرف عنها أي شيء يذكر قبل الغزو الأثيوبي للصومال وسقوط « المحاكم».

الحقيقة أن الشواهد على عقدية التيار أكثر من أن تخطئها العين، ومع ذلك فقد اتجهت الكثير من الدراسات والتحليلات إلى قراءة القاعدة والتيار كما لو أنها تنظيم تقليدي يمكن تفكيكه أو هزيمته عبر المقاربة الأمنية أو الإعلامية أو حتى التنظيمية. وفي السياق بدا واضحا محاولات الفصل المحمومة بين قيادات القاعدة على أساس وطني، كالتفريق بين السعوديين والمصريين أو الفلسطينيين والسعوديين أو الزعم بوجود تنافس في القيادة ين المصريين والليبيين. وغني عن البيان الفشل الذريع الذي منيت به مثل هذه القراءات خاصة وأن التيار برمته لا يعترف قط بالتراث الوضعي ولا بمفاهيمه وتقنياته ومصطلحاته ونظمه المعرفية ولا بنماذجه الثقافية. فالتيار يجتمع حول مرجعية عقدية، ويسترشد في عمله وسلوكه ويبني سياساته انطلاقا من النص الشرعي والسنة والاجتهاد والإجماع، أما أدائه الميداني فيقع بموجب ما تفرضه السياسة الشرعية من مصالح ومفاسد وكذا التراث والفتوحات والغزوات الإسلامية وما تقدمه من نماذج قابلة للاقتداء.

ثالثا: عوائق البحث

لا بد من التنبيه بداية إلى أن تعبير « السلفية الجهادية» بدأت تباشيره الأولى في سبعينات القرن الماضي، نظريا، في رحاب أحفاد الدعوة الوهابية التي نجحت في محاربة « شرك القبور» لكنها لم تنجح، بحسب السلفية الجهادية، في محاربة « شرك الحاكمية» لعجزها عن تنزيل الحكم الشرعي على الواقع. هذا الخلاف كان في الواقع بمثابة المقدمة التاريخية الجوهرية التي مهدت لاحقا لظهور التعبير في أول مناسبة حاسمة له توفرت في أعقاب انفجارات مدينتي الرياض (13/11/1995) والخُبر (25/6/1996) في السعودية. فقد تلا الحدثان إجراءات أمنية، وحملات لاستصدار فتاوى شرعية، ودعوات باتخاذ مواقف واضحة لا لبس فيها لجهة إدانة التفجيرات. وأسفرت الضغوط عن عملية تمايز في الموقف الشرعي بين من يؤيدون الجهاد بصيغته العالمية ومن يعارضونه. وهكذا فقد ظهر التعبير بوصفه صيغة إعلامية استعملت بالدرجة الأساس للتمييز بين ما يمكن تسميته بتيار «السلفية التقليدية» و « السلفية الجهادية».

الحاصل أن السلفية الجهادية ربما تكون الجماعة الإسلامية الأميز، من حيث وحدانية المرجعية ولغة الخطاب الديني والبنية الهيكلية وتاريخية النشأة، بالمقارنة مع ما سبقها من جماعات ظهرت في عالمنا هذا منذ تقسيم الوطن العربي وانهيار الخلافة العثمانية. ومع ذلك؛ فإن أكثر الأخطاء الشائعة في توصيف الظاهرة أو التعليق على خطاباتها أو رصد سياساتها واستراتيجياتها العسكرية والأمنية والإعلامية هي تلك التي ينطلق أصحابها في قراءة الحدث، علما أو جهلا، من مكونات الواقع السياسي أو الأيديولوجي الذي يعيشونه، أما أشد الأخطاء المنهجية تعسفا فهي تلك التي تأبى، عبثا، الإقرار بعقدية الظاهرة، وتقفز فوق مراحل البحث مفضلة النقد على التوصيف.

لذا فقد تباينت إجمالي الأطروحات التي عبر عنها مختلف الباحثين تجاه الظاهرة، سواء عبر تصريحاتهم أو عبر دراساتهم وكتاباتهم، إلى حد التناقض مخلفة وراءها فقرا مدقعا في الرصيد المعرفي يمكن ملاحظته في صورة:
• أطروحات محافظة أفرزها نموذج ثقافي ينزع إلى الحياد أكثر من الانحياز.
• أطروحات ميالة إلى الفهم لكنها نأت بنفسها عن الخوض في الظاهرة عميقا إما تحرجا أو لخشيتها من المتاعب الأمنية.
• أطروحات معادية للظاهرة عقديا وسياسيا وإعلاميا لكنها منفتحة عليها أكاديميا.
• أطروحات أكاديمية غلب عليها الجهل المطبق بأبسط خصائص الظاهرة رغم أن أصحابها من الدارسين تاريخيا للحركات الاجتماعية الإسلامية والعلمانية.
• أطروحات أيديولوجية أميل ما تكون إلى معاداة الظاهرة أو الاستخفاف بها من دراستها.
• أطروحات صماء لا تعترف حتى بوجود ظاهرة.

لا ريب أن أغلب هذه الحصيلة من الأطروحات المتناثرة، كما ونوعا، هي أقرب ما تكون إلى التعبير عن المواقف تجاه الظاهرة أكثر مما هي نتاجات لأبحاث علمية، مما يعني أننا، في سياق البحث العلمي وما تستحقه الظاهرة من جهد، ما زلنا في أحسن الأحوال في المراحل الأولى من التوصيف والذي نحسب أنه لن ينته قريبا، وتبعا لذلك فنحن أبعد ما نكون، علميا، عن تناول الظاهرة بالتحليل العميق والنقد الموضوعي. لذا وجب التحذير من أن توصيف الظاهرة قد يبدو سهل المنال لكنه في الحقيقة مظهر خادع ليس الوصول إليه متاحا، على الأقل، بالنظر إلى التباين المنهجي في تناول الظاهرة فضلا عن سرية الفاعلين واختلاف البناء الهيكلي للأدوات التي تشكل الظاهرة كالتنظيم الأم والأدوات الضاربة لها في شتى أنحاء العالم وآليات العمل مقارنة بالأبنية التقليدية التي ألفناها من الجماعات الجهادية المسلحة.

هذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن السلفية لا تتمتع بإنتاج معرفي هائل، تفوقت فيه، كما ونوعا، على ما سبقها من الجماعات السياسية، لكن فقط في مستوى الخطاب العقدي وليس التنظيمي أو العملي الذي لمّا يزل عصيا على التناول. ومع ذلك فإن بعضا من أهم صعوبات دراسة الظاهرة تكمن في السعة اللامتناهية لهذا الإنتاج الذي يجد صداه في أعماق التاريخ الإسلامي منذ البعثة النبوية وإلى يومنا هذا. فمن ذا الذي يمكنه أن يتفرغ للإحاطة بالظاهرة بحيث يكون ملزما، علميا وأدبيا، بمطالعة ملايين الصفحات من المنشورات التي تعج بها الشبكات الإعلامية الجهادية، ومئات الساعات من الأشرطة المرئية والصوتية، والآلاف من المجلدات والكتب والأبحاث؟ سؤال ثقيل خاصة إذا ما تم وضعه في سياق الظاهرة بوصفها أطروحة عقدية لا تقبل بغير الدليل الشرعي حَكَما بينها وبين الآخرين، وفي هذا السياق سيكون على الباحث تكبد المشاق من كل حدب وصوب. إذ أن لغة الخطاب السلفي بوصفها لغة العلم الشرعي التي يختلف العلماء والمتخصصين في فهمها وتفسيرها، من الطبيعي ألا يقوى على فهم شروطها وتفاصيلها إلا من امتلك قدرا معقولا منها، فكيف سيكون الحال لمن لا يمتلك منها حتى القليل؟ وغني عن البيان أن الخطاب السلفي يخاطب، مبدئيا، الجميع بلغة واحدة، لكنه حافل بالرموز بحيث يتوجب على الباحث التنقيب عن، والتمييز بين، رسالة موجهة للنخبة والمتخصصين وثانية موجهة للقيادات الميدانية والمقاتلين وثالثة تستهدف الأتباع ورابعة للعامة من الناس الذين يستقبلون في الغالب خطابا تحريضيا وخامسة تحمل تهديدا ووعيدا وسادسة تتحدث عن هدنة ... وهكذا.

لكن لأن لغة الخطاب السلفي الجهادي صعبة التوصيف وليست سهلة كما يعتقد البعض فمن المهم الإفادة من اللغة السائدة في وسائل الإعلام الجهادي بوصفها مخزنا للمعلومات والآراء والأفكار المؤيدة والمعارضة، ومصدرا رئيسيا للأخبار فيما يتعلق بالتيار الجهادي، وهذا من شأنه أن يساعد أي باحث في فهم لغة التيار عبر مفردات ومصطلحات يسيرة. ولا نبالغ إذا قلنا أن هذه الوسائل تعبر، إلى حد كبير، عن السَّمت الحقيقي لتوجهات الرموز وسياسات التيار في مختلف مناطق تواجده، كما أن لها من القوة والحصانة الشرعية بما يكفي لتحصين الرموز ودفعهم نحو الصراحة في القول والحسم في القضايا الخلافية على أسس شرعية أيا كانت النتائج. والأكيد أن المتابع لهذه الوسائل سيحتاج إلى فترة طويلة وجهود مضنية ومتابعة حثيثة كي يفهم آلية عملها وطرق التعامل مع روادها وكتابها ومشايخها وما يدور فيها والوقوف على المستجدات وإلا فقد يختلط عليه الأمر لو انقطع عن المتابعة ويفقد بذلك ما جناه من تراكم معرفي ثمين.

رابعا: تداعيات منهجية

لا ريب أن تفعيل ناظم «الولاء والبراء» من قبل التيار، بصورة غير مسبوقة وعلى كل مستوى، تَسَبب في إحالة كافة الشبهات والمسائل الخلافية وحتى ما بدا بديهيات طوال قرون أو عقود إلى الدليل للتحقق منه ثانية. فالسلفية بوصفها منهجا وليست مذهبا لا تتقبل غير سلطة الدليل الشرعي للحكم على اختياراتها وأفعالها . والأكيد أن هذا الانحياز للدليل لم يكن متبلورا بمضمونه الواسع والصارم لدى الجماعات الإسلامية سابقا، حتى وإنْ كان جزء من التراث الفكري والعقدي كما عبرت عنه أطروحات سيد قطب ود. صالح سرية والشيخ عمر عبد الرحمن وعبد السلام فرج وغيرهم. لكن حين دخلت السلفية ساحات الجهاد بعد الاحتلال السوفياتي لأفغانستان (27 /12/1978) بعشرات الآلاف من المتطوعين والعلماء والمشايخ وطلبة العلم انكشف تراث الدعوة الوهابية برمته، عقيدةً ومنهجاً، ليصبح في متناول كافة القوى والجماعات الإسلامية في شتى بقاع العالم، وليصير بالنسبة للكثير منها بمثابة الأساس العلمي لتلقي الدين والمنطلق المنهجي الحاسم سواء في بنائها أو توجهاتها أو في علاقاتها بالغير أو في استراتيجياتها ومستقبلها.

هذا الانحياز للتراث السلفي، الذي يقرأ واقع الأمة عبر مفهوم «التوحيد»، يجد صداه في تاريخية الدعوة الوهابية التي ظهرت في بيئة كادت تجرفها الوثنية التي لم يكن من الممكن مواجهتها إلا عبر سلطة « الدليل الشرعي» الذي نجح بتجريد مفهوم «التوحيد» من كل الشركيات والبدع والخرافات والشعوذات التي علقت به على مدى قرون ماضية. لذا فإن كتاب «التوحيد» للشيخ محمد عبد الوهاب يعد الأكثر أهمية من بين 22 مؤلفا وضعها خاصة وأنه حدد فيه نواقض الإيمان. وهكذا سار علماء الدعوة النجدية من أخلاف الشيخ على نهجه إلى أن ثبتت السلفية بوصفها منهجا علميا يلتزم الدليل كسلطة في الحكم على النوازل التي تحل في الأمة في شتى مجالات السلوك والاعتقاد. وهكذا أيضا صار تراث الدعوة برمته موضع ثقة ومرجعية لدى التيارات الإسلامية لا يقل مكانة عن تراث السابقين من «السلف الصالح» لمواجهة كل ما يستجد في مسائل:

• الفرد والمجتمع والدولة؛
• الحزب والجماعة والحركة؛
• العقائد والفلسفات والمذاهب؛
• الدساتير والقوانين والشرائع المحلية والدولية؛
• الأخلاق والقيم والأعراف والتقاليد؛
• العلاقات والمواقف والاتجاهات والتحالفات والاستراتيجيات ... .

لكن كل هذه النوازل وغيرها لا يكفي أن تخضع إلى سلطة الدليل دون مراقبة، ذلك أن تنزيل الحكم الشرعي على الواقع غالبا ما يصطدم باعتراضات وتأويلات ذات طابع شرعي مخلفة وراءها فيضا من «الشبهات»، ولحل هذا الإشكال تلجأ السلفية الجهادية إلى «الولاء والبراء» كمعيار حاسم في اختبار دقة تطبيقات الحكم الشرعي للحيلولة دون ما تراه تلاعبا في الحكم الشرعي أو تمييعا له أو تلبيسا، ظاهرا أو خفيا، يستهدف العامة.

لا شك أن الإشكال قد لا يكون، واقعا بالضرورة، في الأطروحة السلفية بحد ذاتها خاصة وأن مصادرها الشرعية تقع في رحاب التراث الإسلامي العقدي، ولكن في تنزيل الحكم الشرعي من جهة، والأهم في القدرة على تحمل الأطروحة العقدية بكل تبعاتها من جهة أخرى. فالمواقف التضامنية والسياسات في العالم الإسلامي وغيره تجري صياغتها على قاعدة المصالح والمنافع وما تحققه من مكاسب لهذا الطرف أو ذاك وليس على أسس عقدية، وهذا هو جوهر الإشكال بين السلفية وغيرها. وعليه فلا يجوز أن نقرأ الظاهرة بمقتضى ما تهوى الأنفس. فما يهمنا ليس قبول أو رفض الأطروحة ولا الاستسلام لما تفرضه سلطة الواقع بقدر ما يهمنا الحرص على دراستها وسبر أغوارها طبقا لمرجعياتها وأدائها. وهذا معطى منهجي حاسم يتقرر بموجبه:

1) النظر إلى الجماعات الإسلامية، بما فيها الجهادية، على أنها جماعات سياسية وطنية ذات طابع دعوي أو جهادي لا فرق، لكنها بالتأكيد ليست جماعات ذات مرجعية شرعية خالصة، كونها تعمل في إطار المنظومات القانونية والسياسية المحلية والدولية السائدة، وتستعمل نفس مصطلحاتها ومفاهيمها الوضعية ومؤسساتها، بخلاف السلفية الجهادية التي لا تقبل بغير المعطى الشرعي كمعيار لفهم اختياراتها والحكم على توجهاتها السياسية. وهذه فرضية حاسمة لمن يرغب في التعرف على لغة السلفية الجهادية وأطروحاتها وحتى على نشأتها وأدائها.

2) وجوب التخلي، موضوعيا، عن معايير التوصيف التقليدية التي اتبعت في دراسة الجماعات السياسية السابقة عليها سواء كانت علمانية أو إسلامية. أما لماذا يتوجب علينا الالتزام بهذه الخطوة المنهجية الحاسمة فلأن استعمال مصطلحات وضعية في تحليل خطاب يستند إلى السياسة الشرعية سيؤدي قطعا إلى نتائج خاطئة.

3) التوقف عن فكرة حصر التيار بتنظيم القاعدة أو برموزها لأنها لم تعد ذات جدوى بعد تضخم وانتشار الأدوات الضاربة له في عدة بلدان إسلامية وظهور قيادات جديدة. كما أن التيار لم يعد مقتصرا على أولئك الذين يحملون السلاح. إذ أن الحديث يجري عن أطروحة عقدية تتموضع في شتى التشكيلات الاجتماعية والسياسية وحتى الأمنية، ولم تعد حكرا على القاعدة ولا تنظيماتها المسلحة، ولعل في هذا ما يفسر إلى حد كبير تضخم التيار واستمراريته.

4) إجادة فهم لغة السلفية الجهادية على مستوى العقيدة والمنهج. وهذا لا يتأتى إلا عبر فهم مماثل، ولو بالحد الأدنى، للغة وتاريخ الجماعات والفرق الإسلامية الفاعلة والشائعة كالإخوان المسلمين وحزب التحرير والتبليغ والدعوة والصوفية وغيرها، بالإضافة إلى فهم لغة وتاريخ الجماعات السياسية العلمانية. ودون ذلك سيكون من الصعب جدا ملاحظة التمايزات الدقيقة والكبيرة بين هذه القوى.

5) استعمال المنهج الوصفي الذي نعني به التشخيص الدقيق للظاهرة كما تعبر عن نفسها لا كما تبدو ظاهرة للعيان، وبعيدا عن أي تدخل أيديولوجي، مع وجوب التمييز بين الدراسات الأمنية التي تستهدف محاربة الظاهرة وتلك التي تسعى إلى تقديم أطروحة أكاديمية قدر الإمكان.

6) ضبط مفاهيم الأطروحة ومصطلحاتها اعتمادا على خطاب الرموز من القيادات السياسية والعسكرية والشرعية بنفس القدر الذي يستوجب ضبط ذات المفاهيم لدى الجماعات والفرق الإسلامية الأخرى اعتمادا على وثائقها ومصادرها الرسمية، لكن بحيادية وأمانة وقدر عال من الدقة والموضوعية. وحين القيام بالمقارنة لاستخلاص الفوارق الجوهرية لا بأس من الاستعانة بمصادر ثانوية تفسر ما استعصى فهمه في المصادر الرئيسية.

7) رصد التغيرات التي تطرأ على أداء التيار بكل مستوياتها الأمنية والشرعية والسياسية والعسكرية، والتي تكسبه الجاذبية وتمكنه من الاستمرارية والانتشار والتكيف السريع مع المستجدات رغم كل ما يتعرض له من حملات استئصال شديدة محليا ودوليا. بمعنى أن التيار يستفيد ولا شك من أخطائه ويعيد قراءة واقعه باستمرار بما في ذلك النظر في تطبيقات بعض المفاهيم الشرعية في ضوء السياسة الشرعية وما تفرضه من التزام بالمصالح والمفاسد.

سؤال

لنقل بصراحة: إذا كنا لا نحتمل، بعْد، مدخلات البحث العلمي ولو في صيغة التوصيف فأي منهجية تجيز لنا نقد الأطروحة قبل أن نفهم منطقها أو منزلتها التاريخية؟ حتى هذه اللحظة يبقى أس المشكلة ليس في عناد التيار الجهادي الذي لا يأبه لأية ردود فعل أو تداعيات يتحملها مهما بلغت قسوتها عليه بل في تناول ظاهرة التيار بالحيادية المطلوبة التي تتيح قدرا معقولا من الفهم. ذلك أن الحياد في ظاهرة منبوذة سياسيا وأمنيا وحتى إعلاميا يعد ضربا من ضروب الانحياز. ولا شك أن مثل هذه الرؤى، فضلا عن الصعوبات التي تطرحها الظاهرة، ما من مبرر لها إلا عرقلة أية محاولات جدية في اقتحامها ووضعها تحت المجهر.

ولسنا ندري بالضبط كيف يمكن تجاهل ظاهرة بهذا الحجم الذي يشغل العالم أجمع؟ وكيف لا تجد من يتعامل معها إلا بالصيغ الأمنية والمواجهات العسكرية؟! ربما يكمن السبب، نسبيا، في ذات الأطروحة التي لم تتح هامشا لدعاتها ولا حتى لأقرانهم.

هكذا بات لسان حال التيار الجهادي يقول: لن نتنازل أو نتفاهم أو نساوم على العقيدة، وبلغة بن لادن: « سندور حيث تدور العقيدة».

أما بلسان الأعداء والخصوم فالمعادلة تقول: إذا كان الصدام مع السلفية الجهادية واقع لا محالة فليكن منذ اللحظة الأولى وقبل أن يشتد عوده.

وهذا يعني أن الطرفين وصلا إلى نقطة اللاعودة. لكن على الأطراف المتضررة من التيار (أعداء وخصوما) أن تجيب على السؤال التالي: كيف يمكن التصرف مع التيار وأدواته الضاربة وخلاياه المنتظرة إذا فشلت الوسائل الإعلامية والشرعية والسياسية والأمنية وغيرها في احتوائه؛ وإذا ما واصلت الظاهرة تقدمها؟ سؤال عويص يحتاج إلى إجابة يبدو أنها غير متوفرة حتى اللحظة!

قائمة المصادر والمراجع

1) الشيخ أبو حسين المهاجر، الانتصار لأهل التوحيد، 27 ذي القعدة سنة 1427 هـ.
2) أبو حمزة المهاجر (وزير دفاع دولة العراق الإسلامية): « قل موتوا بغيظكم»، ( مركز الفجر، مؤسسة «الفرقان»، خطاب صوتي، 5/5/2007).
3) أبو عمر البغدادي (أمير دولة العراق الإسلامية): « وإن تنتهوا فهو خير لكم»، (مركز الفجر، مؤسسة «الفرقان» الإعلامية التابعة لـ « دولة العراق الإسلامية»، خطاب صوتي، 7/8/2007).
4) أبو عمر البغدادي (أمير دولة العراق الإسلامية): « وقل جاء الحق وزهق الباطل»، (مركز الفجر، مؤسسة «الفرقان» الإعلامية التابعة لـ « دولة العراق الإسلامية»، خطاب صوتي، 22/12/2006).
5) أسامة بن لادن، بيان بعنوان: «إعلان الجهاد لإخراج الكفار من جزيرة العرب»، نوفمبر سنة 1996.
6) أسامة بن لادن: « العلم للعمل- الجزء الثاني»، ( مركز الفجر، مؤسسة «السحاب» التابعة لتنظيم القاعدة، شريط مرئي، 7/9/2006). وهو الشريط الذي بثته «القاعدة» بمناسبة الذكرى الخامسة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، والذي اشتهر بـ « شريط التوثيق لأحداث سبتمبر».
7) أسامة بن لادن: ( مركز الفجر، مؤسسة «السحاب»، شريط مرئي، 17 أو 18/2/2006).
Cool أكرم حجازي (دراسة): « مدخل إلى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي: نموذج العراق»، (عمان – الأردن، المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية، 11 شباط / فبراير 2008).
9) أكرم حجازي (دراسة): « مسائل جوهرية في فكر السلفية الجهادية: من التوحيد إلى صناعة القيادة»، تشرين أول / أكتوبر 2007، موقع الباحث: http://www.almoraqeb.net/main/mobiles-action-show-id-12.htm.
10) سعيد علي عبيد الجمحي، « تنظيم القاعدة: النشأة .. الخلفية الفكرية .. الامتداد (اليمن أنموذجا)»، ط1، (القاهرة – مصر، مكتبة مدبولي، 2008).
11) عبدالله النفيسي، أحداث سبتمبر والهزة التاريخية في الفكر الأوروبي والأمريكي، مجلة العصر الإلكترونية، 10/9/2006. على الشبكة: http://www.alasr.ws/index.cfm?method=home.con&contentID=8200
12) ناجح إبراهيم، « تنظيم القاعدة: دعوة للمراجعة»، 4/12/2007، موقع الجماعة الإسلامية، http://www.egyptianislamicgroup.com/Public/articles/essay/6/96523334.shtml، وقد نشر المقال قبل ذلك على موقع الإسلام اليوم بتاريخ 19/11/2007: http://islamtoday.net/nawafeth/artshow-42-10770.htm

-------------------
منقول من موقع المقريزي للدراسات التاريخية
http://www.almaqreze.net/ar/news.php?readmore=809

القادسية

المساهمات : 329
تاريخ التسجيل : 07/04/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى